في خطوة مثيرة للجدل، أعلنت وزارة الداخلية السعودية عن فرض عقوبات صارمة بحق من يحاول أداء فريضة الحج دون تصريح رسمي، شملت غرامات تصل إلى 100 ألف ريال سعودي، والترحيل والمنع من دخول المملكة لمدة تصل إلى عشر سنوات. 

القرار الذي يبدأ تطبيقه اعتباراً من الأول من ذي القعدة وحتى نهاية يوم 14 من ذي الحجة، يعكس – بحسب الرواية الرسمية – حرصاً على سلامة الحجاج وتنظيم عملية الشعائر، إلا أن تساؤلات عديدة تُطرح حول دوافع هذه الإجراءات، خصوصاً في ظل تنامي الانتقادات الموجهة للسلطات السعودية بشأن تحويل موسم الحج إلى مصدر جباية واستثمار تجاري ضخم، بدلاً من كونه شعيرة روحية خالصة.

العقوبات.. بين التنظيم الأمني وحرمان المستضعفين

بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية السعودية، فإن كل من يُضبط داخل مكة المكرمة أو المشاعر المقدسة دون تصريح حج – سواء من المواطنين أو المقيمين أو الزائرين – سيُعرض نفسه لعقوبات تبدأ بالغرامات المالية الباهظة وقد تصل إلى الترحيل والمنع من دخول المملكة لعشر سنوات كاملة. 

حتى من يساعد شخصاً على أداء الحج دون تصريح – سواء بالنقل أو الإيواء أو المساعدة – سيُلاحق قانونياً وغُرِّم بمبالغ تصل إلى مئات الآلاف.

ورغم أن هدف التنظيم وضبط الحشود أمرٌ منطقي بالنظر إلى المخاطر المحتملة جراء التزاحم في المشاعر المقدسة، فإن السؤال الأهم يبقى: هل تتسق هذه العقوبات القاسية مع روحانية الحج وكونه عبادة مفروضة على كل مسلم قادر؟ وهل تفتح هذه الإجراءات الباب أمام التمييز بين القادرين مالياً والمستضعفين الذين يجدون في هذه الفرصة الموسمية الوحيدة بارقة أمل لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام؟

الاستثمار في الشعائر.. كيف تحوّل الحج إلى مشروع ربحي؟

لم يعد خافياً على أحد أن السلطات السعودية، في ظل رؤية محمد بن سلمان، تعاطت مع الشعائر الدينية – وفي مقدمتها الحج – كفرص استثمارية مربحة تُدر على خزينة الدولة مليارات الدولارات سنوياً.

من الأسعار المرتفعة للحملات، ورسوم التأشيرات، وصولاً إلى عقود الإعاشة والنقل والإقامة وحتى الضرائب المفروضة على مزودي الخدمات، تحوّل موسم الحج إلى مشروع تجاري ضخم، تتقاطع فيه المصالح بين شركات نافذة، وأمراء يسيطرون على عقود التوريد والضيافة، وجهات حكومية تسوّق “خدماتها” بأسعار مضاعفة تحت غطاء “التنظيم”.

بلغت تكاليف حملات الحج الرسمية أرقاماً فلكية تجاوزت 15 ألف دولار للحاج الواحد في بعض الدول، ما يجعل أداء هذه الفريضة حلمًا بعيد المنال لكثير من المسلمين من ذوي الدخل المحدود. 

ومن هنا يتزايد عدد من يحاولون التحايل على الأنظمة – لا لأهداف سياسية أو إرهابية كما يصوّرها الإعلام السعودي – وإنما لأداء ركنٍ من أركان دينهم، ولو بطرق بدائية.

وإذا نظرنا إلى حيثيات العقوبات الأخيرة، فإنها تبدو متشددة بشكل لافت تجاه هؤلاء “المخالفين”، وتغضّ الطرف في الوقت ذاته عن فسادٍ هيكلي في المنظومة التنظيمية، حيث تُمنح التصاريح أحيانًا بالمحاباة، وتُباع بعضها في السوق السوداء، وهو ما كشفت عنه تقارير سابقة لموسم حج 2023 و2024.

من تنظيم الشعائر إلى عسكرة المقدسات

في سياق موازٍ، لا يمكن تجاهل الطابع الأمني المكثف الذي بات يغلف موسم الحج في السنوات الأخيرة. 

آلاف الكاميرات، انتشار أمني غير مسبوق، نقاط تفتيش دقيقة، وملاحقة أي محاولة للاعتراض أو التعبير. 

وفي الوقت الذي تروج فيه السلطات لشعارات “حج آمن وميسر”، فإن كثيراً من النشطاء والحقوقيين يرون في هذه الإجراءات توسعًا في عسكرة الشعائر، وتحويل الأماكن المقدسة إلى مناطق عسكرية مغلقة، تخضع لرقابة مشددة.

لا يُسمح بالتقاط الصور، أو رفع شعارات دينية تنتقد الظلم أو الاحتلال، أو حتى التجمع العفوي. كل شيء تحت السيطرة التامة، كأن الحج لم يعد فعلاً تعبدياً حرًا، بل رحلة محكومة بنظام أمني قمعي، لا يتردد في معاقبة حتى الحجاج الذين ينتقدون الأسعار أو ظروف الخدمات.

وقد اشتكت عشرات الحملات، من بلدان مختلفة، من ضعف الخدمات رغم ارتفاع الأسعار. وبرزت في موسم الحج الماضي حالات وفيات نتيجة الإهمال أو التكدس أو غياب الرعاية الصحية، دون أن يتحمل أحد المسؤولية، ودون تحقيق مستقل. مقابل ذلك، تُلاحق النساء والرجال الذين دخلوا مكة دون تصريح بغرامات وترحيل، وكأن السلطات لا تهتم إلا بجمع الأموال ومعاقبة الفقراء.

الشعائر ملكٌ للأمة لا لسلطة

من وجهة نظر فقهية وإنسانية، فإن الحج هو شعيرة إسلامية عالمية لا يجوز احتكارها من قبل سلطة سياسية أو دولة واحدة. 

ما تفعله السلطات السعودية اليوم من تضييق واسع وتشديد الرقابة والتحكم في منح التأشيرات وتوزيع الحصص يطرح إشكالات شرعية وقانونية كبرى. 

إذ أن الدولة المضيفة للمقدسات لا يحق لها أن تحتكر الوصول إليها، أو تفرض شروطًا مجحفة مقابل السماح بأداء الشعائر، وهو ما يتعارض مع قول الله تعالى: “وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمنًا”.

ولا تُعد المطالبة بتنظيم الحج من خلال هيئة مستقلة أو إشراف جماعي من الدول الإسلامية طرحاً جديداً، بل هو مطلب متزايد وسط تنامي المخاوف من استغلال السعودية للحج لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وفرض رؤيتها على الحجاج.

فكل من لا يلتزم بنمط “الطاعة العمياء” أو يرفض رواية السلطة، يُعتبر مشبوهاً أو مخالفاً أو حتى مجرماً، كما حصل مع حملات حج من إيران وماليزيا واليمن وغيرها.

الحج بين قداسته وأرباحه

في ظل هذه المعطيات، يصبح السؤال الأساسي: هل يمكن أن تستمر السعودية في تسويق موسم الحج على أنه “خدمة فاخرة” و”مشروع وطني”، بينما يتصاعد الغضب الشعبي والحقوقي من عسكرة المقدسات واستغلال الشعائر؟ وهل العقوبات الجديدة وسيلة لتنظيم الحشود، أم أنها جزء من أدوات قمعية لتكريس الاحتكار والتحكم في أحد أهم أركان الإسلام؟

المطلوب ليس فقط التخفيف من الغرامات والعقوبات الظالمة، بل مراجعة شاملة لكيفية إدارة الحج، والعودة إلى روحه الأولى باعتباره عبادة خالصة لا ينبغي أن تُخضع لضرائب الجشع ولا لمزاج السياسة. فالمسلمون يستحقون حجاً آمناً وكريماً ومتاحاً للجميع، لا حجاً تتحكم به لوائح بيروقراطية وسلطة تبحث عن الربح من دموع المتعبدين.

اقرأ أيضًا : اقتصاد على الحافة: السعودية بين طموحات نيوم وواقع العجز النفطي