كشفت وسائل إعلام عبرية، عن مؤشرات خطيرة تعكس توجهاً إسرائيلياً نحو تصعيد أكبر في عدوانه المستمر على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023، عبر حشد ألوية احتياطية وتوسيع نطاق العمليات العسكرية، في خطوة تؤكد أن الاحتلال لا يزال يسعى لإطالة أمد الحرب وتعميق جرائم الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، في وقت تتعثر فيه المفاوضات مع المقاومة الفلسطينية.

فقد أفاد موقع “ويللا” العبري بأن ألوية احتياطية جديدة في جيش الاحتلال تلقت خلال الأيام الماضية أوامر تعبئة عاجلة، وأن مهمتها القادمة ستكون تأمين الحدود والمناطق العازلة داخل غزة، في تمهيد واضح لمرحلة موسعة من العمليات البرية. 

وتأتي هذه التعبئة وسط تحركات مكثفة على الأرض وتحديثات في توزيع القوات، بما يعكس الاستعداد لشن عملية واسعة النطاق، وصفها الموقع بأنها “مهمة عسكرية ضخمة” يتم التحضير لها بعناية.

وفي السياق نفسه، أوردت هيئة البث العبرية الرسمية أن الجيش الإسرائيلي يستعد لتوسيع المناورة البرية في قطاع غزة، بذريعة تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار مع حركة حماس، في ظل ضغوط متزايدة من وزراء اليمين المتطرف في “الكابينت” الإسرائيلي للمضي قدماً في سحق المقاومة وإنهاء وجودها في القطاع.

وقد صادق رئيس الأركان الجديد إيال زامير بالفعل على خطط توسيع العدوان، ما يعكس إجماعاً عسكرياً وسياسياً على التصعيد، بغض النظر عن التبعات الإنسانية الكارثية على سكان غزة.

تصعيد منظم تحت غطاء “المنطقة الإنسانية”

وفي محاولة مكشوفة للالتفاف على الانتقادات الدولية والضغوط الحقوقية المتزايدة، أعلن الجيش الإسرائيلي عن خطة لإقامة “منطقة إنسانية جديدة” جنوب قطاع غزة، بين محور موراج ورفح، بدعوى استيعاب المدنيين الفلسطينيين بعد إخضاعهم لعمليات تفتيش وفحص أمني. 

وبحسب ما أفادت به هيئة البث العبرية، فإن هذه المنطقة ستشهد عمليات توزيع مساعدات إنسانية تشرف عليها شركات مدنية أمريكية، لكنها ستكون تحت الحماية الكاملة للجيش الإسرائيلي.

لكن هذه الخطة التي يروج لها الاحتلال كـ”مبادرة إنسانية”، لا تُخفي الهدف الحقيقي المتمثل في فرض مزيد من السيطرة على السكان وفرض وقائع ميدانية جديدة تتيح فصل المدنيين عن المقاومة، وتُمهّد لتبرير عمليات قصف أكثر دموية في باقي مناطق القطاع، خاصة في رفح وخان يونس. 

وبهذا، تتحول “المنطقة الإنسانية” إلى أداة حرب وليست وسيلة إغاثة، حيث يتم تحويل المدنيين إلى رهائن في يد آلة القتل الإسرائيلية، وسط تقارير عن إعدامات ميدانية، اعتقالات تعسفية، وتجويع ممنهج.

نتنياهو لا يريد إنهاء الحرب

في تصريحات مسربة لصحيفة “إسرائيل اليوم”، نقلت عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى، أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرغب في إنهاء الحرب في غزة بحلول أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، أي بعد عام كامل على اندلاعها.

ويأتي هذا “الموعد النهائي” في إطار محاولة الاحتلال تقديم صورة زائفة أمام المجتمع الدولي بأنه يخطط لإنهاء العمليات، بينما هو في الحقيقة يعمل على تثبيت وقائع احتلالية، وتصفية المقاومة، وتهجير السكان.

وقد أشار المصدر ذاته إلى أن “هذا هو الحد الأقصى للموعد المستهدف”، وأنه “إذا تحققت الأهداف فستنتهي الحرب قبل ذلك”، ما يعكس أن انتهاء العدوان مرهون بمقدار ما يحققه الاحتلال من أهداف على الأرض، وليس بإرادة دولية أو قانون دولي أو اعتبارات إنسانية. 

بل يؤكد تصريح المصدر ذاته أن الحرب قد تستمر لعامين، في حال لم تُحقق إسرائيل ما تسميه “الأهداف العسكرية”، وهو ما يعني أن نية إطالة الحرب قائمة ومستمرة، وتخضع لحسابات سياسية داخلية أكثر من كونها ضرورات أمنية.

حشد متصاعد.. وجرائم بلا سقف

في ظل هذا الحشد الجديد لقوات الاحتياط، تشير التقديرات إلى أن الاحتلال قد يُعيد احتلال بعض مناطق القطاع بشكل جزئي أو مؤقت، أو أنه يجهز لعملية اقتحام شاملة في رفح، حيث يزعم أن بقايا كتائب القسام ومراكز القيادة لا تزال تنشط هناك. 

ويترافق ذلك مع تصعيد في وتيرة القصف واستهداف المناطق السكنية والمرافق الصحية والإنسانية، رغم نفاد المواد الغذائية وغياب أبسط مقومات الحياة.

ومن ناحية أخرى، فإن تكثيف الحشد العسكري في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن التحولات السياسية في إسرائيل، حيث يحاول نتنياهو كسب مزيد من الوقت لمواجهة الضغوط الدولية، وامتصاص النقمة الداخلية بسبب فشل العملية الأمنية الطويلة في غزة، كما يحاول منع أي توافق سياسي قد يؤدي إلى عزله داخلياً. 

ومن هنا، فإن التصعيد العسكري يتحول إلى أداة من أدوات البقاء السياسي، على حساب الدم الفلسطيني.

خاتمة: حرب مفتوحة وغياب للمساءلة

ما يجري اليوم في غزة ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو نموذج مكتمل الأركان لحرب إبادة منظمة تتصاعد يوماً بعد يوم، في ظل غطاء دولي مخجل، وصمت عربي رسمي مشلول. 

وإن تجنيد قوات الاحتياط وتوسيع العمليات البرية ليس إلا فصلاً جديداً في مسلسل القتل الجماعي الذي تمارسه إسرائيل بحق المدنيين الفلسطينيين، وسط غياب المساءلة الدولية، وفشل النظام العالمي في حماية الحقوق الأساسية للشعوب المحتلة.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن أن تُوقف هذه الحرب من قبل منظمات دولية وقوى حرّة في العالم، أم أن الاحتلال سيظل يُحشد ويُصعد حتى يُجهز على ما تبقى من الحياة في غزة؟

اقرأ أيضًا : “رجل إسرائيل في رام الله”.. عباس يسلّم حسين الشيخ مفاتيح الخيانة بالضفة