بينما أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تشكيل السياسة الخارجية الأميركية عبر تقليص المساعدات لكثير من الدول، تمكن الأردن من الحصول على إعفاء غير معلن من هذه التخفيضات، في خطوة وصفتها وكالة “رويترز” بأنها نتاج دبلوماسية نشطة من جانب عمّان، كشفت في الوقت نفسه عن البعد السياسي لمعادلة “المال مقابل الولاء”. 

فالمملكة الهاشمية، الحليف القديم لواشنطن، تلقت ضمانات باستمرار التمويل الأميركي السنوي المقدر بـ1.45 مليار دولار، رغم توجه الإدارة الأميركية السابقة نحو تقليص المساعدات الخارجية.

أولوية استراتيجية: لماذا لم يُمس دعم الأردن؟

تكشف المقابلات التي أجرتها رويترز مع أكثر من 20 مسؤولاً في الأردن والولايات المتحدة عن تفاصيل مثيرة: بعد قرار ترامب في يناير/كانون الثاني بخفض المساعدات، بدأ الدعم يعود خلال شهرين فقط، مدفوعاً برؤية أميركية ترى في استقرار الأردن ضرورة استراتيجية. 

وفيما جُمِّدت مساعدات تنموية بقيمة 430 مليون دولار، استُؤنفت الأموال المخصصة للمجالات “الحساسة” كالدعم العسكري ومشروعات المياه الكبرى.

تُظهر هذه المعاملة التفضيلية أن الأردن نُظر إليه كحاجز إقليمي حاسم أمام تمدد المقاومة خصوصًا في ظل الاتفاقية مع إسرائيل والعلاقات العميقة مع الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، أشارت مولي هيكي، الباحثة بجامعة هارفارد، إلى أن “ترامب حرص على حماية التمويل الذي يضمن استقرار الأردن، لا سيما في مجالات الدفاع والمياه والدعم المالي المباشر”.

ويبدو أن إدارة ترامب سعت لمكافأة النظام الأردني على موقفه “المتعاون”، وخصوصاً بعد زيارة العاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيس وزرائه جعفر حسان إلى واشنطن، والتي حصل خلالها الطرف الأردني على تطمينات بأن الدعم لن يُستخدم كأداة ضغط، ولا سيما في قضية اللاجئين الفلسطينيين ورفض المملكة لخطة “ريفييرا غزة” التي اقترحتها إدارة ترامب آنذاك.

قمع المقاومة وشيطنة الإسلام السياسي: ثمن باهظ للاستقرار المزعوم

لكن وراء هذا الإعفاء المالي، تكمن تكلفة سياسية وأمنية دفعتها عمّان، تمثلت في تصعيد القمع ضد التيارات السياسية المعارضة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين.

فمع بداية أبريل/نيسان، صنفت السلطات الأردنية الجماعة كـ”تنظيم غير شرعي” وحظرت نشاطها، في خطوة رآها مراقبون تماشياً مع التوجهات الإقليمية والدولية لتجفيف منابع الإسلام السياسي.

وفي 15 أبريل، أعلنت الحكومة الأردنية اعتقال 16 شخصاً بتهم تتعلق بتصنيع مسيّرات وصواريخ، ونفت جماعة الإخوان أي علاقة لها بالأمر.

ولكن وفقًا لمصادر تحدثت لرويترز، فقد طُرح “تهديد الإسلام السياسي” ضمن أولويات لقاء رئيس الوزراء الأردني مع وزير الخارجية الأميركي في اليوم نفسه.

تؤكد هذه المعطيات أن التزام الأردن بخطاب “محاربة التطرف” وقمع قوى المقاومة والتقارب مع الاحتلال الإسرائيلي ليس مجرد خيار سيادي، بل جزء من معادلة الإعفاء من العقوبات المالية والحفاظ على الدعم الدولي. فكلما زاد قمع المعارضة، ارتفعت أسهم النظام الأردني في بورصة واشنطن وتل أبيب.

الضغوط الاقتصادية تفضح هشاشة التحالفات

رغم التطمينات الأميركية، تبقى الأزمة الاقتصادية في الأردن متصاعدة. مسؤولون أردنيون حذروا من أن أي إلغاء للدعم الأميركي -مثلما حدث مؤقتًا- سيفاقم العجز في الميزانية ويرفع الدين العام.

وأكد وزير التخطيط السابق وسام الربضي أن خسارة 800 مليون دولار ستكون بمثابة كارثة مالية.

ويبلغ حجم موازنة الأردن نحو 18 مليار دولار، ويعتمد بشكل كبير على التمويل الخارجي، بما في ذلك مساعدات عسكرية قيد الدراسة من السعودية، وبرنامج ممتد مع صندوق النقد الدولي بقيمة 1.2 مليار دولار، قد يُستكمل بترتيب استدامة يتيح الحصول على دفعات إضافية تصل إلى 750 مليون دولار.

لكن تلك القروض والمساعدات -سواء من صندوق النقد أو دول الخليج أو واشنطن– تفرض على الأردن استمرار التماهي مع السياسات الغربية، بما في ذلك الحياد تجاه جرائم الاحتلال، أو حتى التواطؤ معها، كما ظهر في تصريحات ترامب التي اتهم فيها عمّان بعدم التعاون في ملف إعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين.

خاتمة: دعم مشروط.. واستقرار هش

الرسالة التي يوجهها هذا الملف واضحة: المساعدات الأميركية ليست منحة إنسانية بل ورقة سياسية تُمنح للحلفاء “المطيعين”.

والأردن، في سبيل الحصول عليها، قدّم تنازلات في ملفات حساسة من قمع المعارضة الداخلية، إلى تجاهل العدوان الإسرائيلي على غزة، وحتى الانخراط في حملات شيطنة المقاومة الفلسطينية تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”.

لكن هذا “الاستقرار المصطنع” لا يحجب حقيقة أن الضغط المالي، بحسب تحذيرات مسؤولين أردنيين وغربيين، قد ينفجر في أية لحظة في شكل اضطرابات شعبية، خاصة في ظل الغضب الشعبي من معاهدة السلام مع الاحتلال الإسرائيلي وتنامي مشاعر التضامن مع الفلسطينيين في الشارع الأردني

اقرأ أيضًا : خدمة للاحتلال.. السجن 20 عاماً لأربعة أردنيين بتهمة “دعم المقاومة”