منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، لم يكن الصراع الليبي مجرد نزاع داخلي، بل ساحة مفتوحة لتدخلات إقليمية ودولية معقّدة، وعلى رأس هذه الأطراف كان النظام الإماراتي، الذي لعب دورًا محوريًا في تعميق الانقسامات، وتكريس الحرب، وزرع ميليشيات موازية تقوض كل مشروع لبناء دولة ليبية موحدة.

فمنذ اللحظة الأولى، اختار النظام الإماراتي دعم المسار العسكري على حساب المسار السياسي، وضخ المليارات في مشروع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، محولًا المنطقة الشرقية إلى منصة مفتوحة لمشاريعه الأمنية، ومدّ حفتر بالطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع، والذخائر، وقام بخرق قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر السلاح على ليبيا بشكل موثق من قبل لجان خبراء تابعة للأمم المتحدة.

تفكيك اللواء 128: تصفية داخلية بأوامر خارجية

أحدث تجليات الدور التخريبي للنظام الإماراتي في ليبيا ظهرت مؤخرًا في الجنوب، حين تم حلّ اللواء 128 معزز الذي كان يقوده حسن الزادمة، أحد أبرز قادة الجنوب، وذلك إثر خلاف بين الزادمة والقيادة العسكرية بشأن رفضه تنفيذ عملية عسكرية داخل السودان لصالح مليشيا الدعم السريع المدعومة من النظام الإماراتي.

وبحسب مصادر موثوقة، رفض الزادمة الانخراط في عملية كانت ستتم داخل الأراضي السودانية، وتستهدف تعزيز موقف حميدتي بعد سلسلة من الهزائم التي لحقت به. موقف الزادمة، الذي اعتبر أن الجيش السوداني هو مؤسسة رسمية ولا يجوز مهاجمته، أثار غضب ممولي المشروع العسكري، الذين أبلغوا حفتر بضرورة التخلص منه. وبالفعل، تم حلّ اللواء، ومصادرة سلاحه، وطرد الزادمة، وإعادة تشكيل القوة تحت مسمى جديد أكثر ولاءً.

كيف يفرض النظام الإماراتي إرادته داخل معسكر حفتر؟

لا يمر قرار استراتيجي داخل معسكر حفتر دون تدخل مباشر من النظام الإماراتي. فبحكم التمويل العسكري والسياسي الذي يتلقاه حفتر من أبوظبي، أصبحت دوائر القرار داخل قواته خاضعة بشكل شبه كلي لتوجيهات استخباراتية تأتي من الخارج، والجنوب الليبي ليس استثناءً من هذه القاعدة.

خلال الحرب السودانية الأخيرة، رأت القيادة الإماراتية في الجنوب الليبي ممراً مثالياً لدعم قوات الدعم السريع التي تتعرض لخسائر متلاحقة. واستغلت سيطرة الزادمة على معسكرات الجفرة ومناطق حدودية قريبة من السودان لتمرير إمدادات وعمليات نقل دعم عسكري. لكن رفض الزادمة الذهاب إلى ما هو أبعد – تنفيذ تدخل مباشر – كان كافيًا لتوقيع أمر تصفيته سياسيًا وميدانيًا.

هذا التدخل لا يقتصر على فرض التحركات، بل يشمل أيضًا تعيين القيادات، وتوزيع النفوذ، وحتى رسم خارطة السيطرة القبلية. وقد ظهر ذلك جليًا في استبدال الزادمة بشخصيات أكثر قربًا من أبناء حفتر، خصوصًا صدام، الذي يُعد اليوم الأداة الأبرز لتنفيذ رغبات الكفيل الخارجي.

 تفكيك التوازنات المحلية وتغذية الانقسام

ما قام به النظام الإماراتي في الجنوب ليس فقط إقصاء لقائد عسكري رفض تنفيذ تعليماته، بل هو رسالة واضحة لباقي القادة: الولاء الخارجي شرط للبقاء. هذه السياسات تسببت في تصدعات قبلية، واحتقان في صفوف القوات، واستياء داخل فزان، حيث تنتمي قبيلة الزادمة. فالتعامل مع هذه المناطق على أنها مجرد نقاط عبور للأسلحة والمصالح الإقليمية، دون مراعاة للامتدادات الاجتماعية والسياسية، يهدد بإشعال تمردات داخلية قد تتحول لاحقًا إلى انفجارات مسلحة.

هذا النمط من التدخل سبق أن مارسه النظام الإماراتي في مناطق أخرى من ليبيا، حين دعم فصائل بعينها على حساب أخرى، أو أنشأ أذرعًا أمنية خارجة عن سلطة الدولة، كما حصل في بنغازي وسرت. في كل مرة، كانت النتيجة هي مزيد من التشظي، وتفتيت أي محاولة لإعادة بناء منظومة أمنية وطنية موحدة.

صدام حفتر: أداة الطموح الإماراتي في الجنوب

لم يكن تحرك صدام حفتر لتصفية الزادمة واستلام مناطقه مفاجئًا، بل نتيجة تنسيق مسب مع الرعاة الخارجيين. فصدام، الذي يطمح لتوسيع نفوذه العسكري استعدادًا للوراثة السياسية، كان يرى في الزادمة عقبة ميدانية، خصوصًا أنه يتمتع بثقل قبلي وعلاقات مع قوى محلية وإقليمية.

وقد أتاحت له حادثة السودان فرصة لإزاحته بشكل شرعي، بدعم من الكفيل. وبذلك، لم يقتصر دور النظام الإماراتي على إدارة ملفات خارجية عبر حفتر، بل أصبح يتحكم في إعادة تشكيل البنية الداخلية للقوى العسكرية الليبية، بما يضمن ولاءً مطلقًا لرؤيته الإقليمية.

ليبيا رهينة لإجرام النظام الإماراتي

ما جرى في الجنوب الليبي ليس سوى نموذج مصغر عن مشروع أكبر يتبناه النظام الإماراتي في المنطقة. من مصر إلى تونس، ومن اليمن إلى السودان، تسير أبوظبي في خط واضح: دعم القوى العسكرية غير الديمقراطية، السيطرة على مفاصل القرار الأمني، وتطويع العواصم لخدمة مشروع إقليمي قائم على الخوف من التغيير، ورفض أي انتقال سياسي حقيقي.

وليبيا، التي عانت من الفوضى بما يكفي، لا تحتمل مزيدًا من اللعب في توازناتها الهشة. إن استمرار التدخل من قبل النظام الإماراتي لا يعني سوى تأجيل جديد للاستقرار، وإعادة تدوير للأزمات، وتغذية لمنظومة الولاءات التي تقف دائمًا ضد الدولة، وضد أي مشروع حقيقي للسيادة.