في مشهد يفطر القلوب ويكشف عمق الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة، وُلدت الطفلة “ملك أحمد القانوع” في مستشفى العودة شمال القطاع برأس دون دماغ، في حالة صادمة صنفها مسؤولون صحيون على أنها من أبشع صور التشوهات الناتجة عن الحرب.
وبحسب مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، فإن الطفلة ليست سوى واحدة من عشرات الحالات التي بدأت تتكرر وسط مؤشرات على علاقة وثيقة بين هذه التشوهات واستخدام إسرائيل لأسلحة محرّمة دوليًا في عدوانها المستمر على القطاع المحاصر.
أظهر مقطع فيديو للطفلة “ملك” حالة غير طبيعية تقشعر لها الأبدان، حيث انتهت جمجمتها فوق العينين مباشرة دون وجود الدماغ، في مشهد يضع الاحتلال الإسرائيلي في مرمى الاتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية عبر استخدام أسلحة إشعاعية وكيماوية في بيئة مدنية مزدحمة.

الأسلحة المجهولة.. والعقاب الجماعي المستمر
الاتهامات ليست جديدة، لكن ولادة “ملك” جددت التساؤلات بشأن طبيعة الترسانة التي تختبرها إسرائيل فوق رؤوس الفلسطينيين، والتي تشير إلى احتمالية وجود إشعاعات أو مواد محرمة تُحدث أضرارًا خفية لا تُلاحظ فورًا، بل تظهر لاحقًا في الأرحام وعلى أجساد الأطفال.
وأكد البرش أن ما يحدث في غزة يذكّر بما وثقته تقارير طبية وحقوقية في العراق عقب الغزو الأمريكي عام 2003، حين انتشرت التشوهات الخلقية نتيجة استخدام قذائف اليورانيوم المنضب والأسلحة الكيميائية. وحذّر من أن الحالات المسجلة قد تكون مجرد بداية لكارثة صحية تمتد آثارها لعقود إذا لم يتم فتح تحقيق دولي عاجل في نوعية الأسلحة المستخدمة ومكوناتها.
هذه التصريحات تعززها مشاهدات ميدانية وشهادات من أهالٍ في شمال غزة، أكدوا سماع أصوات “انفجارات غير مألوفة”، ورؤية غبار ملون وروائح غريبة ترافق القصف، ما يثير شكوكاً حول إدخال أنواع جديدة من الأسلحة يجري اختبارها على السكان تحت غطاء الحرب.
ولم تكن هذه التحذيرات بمعزل عن مناشدات متكررة من وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، واللذين أكدا في عدة مناسبات أن الاحتلال يستخدم ذخائر “حرارية وكيماوية” صنعت بمعظمها في الولايات المتحدة، وتسبب حروقاً غريبة وتبخرًا للأجساد، كما حصل في حالات كثيرة شمال القطاع.
منظمات دولية تحذر.. والمحاسبة غائبة
فيما تتوالى المشاهد المأساوية من غزة، أصدرت منظمة “هيومان رايتس ووتش” تقريرًا في يناير/كانون الثاني 2025، سلطت فيه الضوء على الخطر المحدق بالنساء الحوامل والمواليد الجدد في ظل انهيار المنظومة الصحية نتيجة القصف المتواصل.
وأشارت إلى أن ظروف الحصار الإسرائيلي تعوق تمامًا تقديم الرعاية الطبية، وترفع نسب الإجهاض إلى مستويات قياسية بلغت 300% منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بحسب أطباء متخصصين.
وتضاف إلى هذه التحذيرات شهادة الطبيب الأردني بلال العزام، الذي زار غزة ضمن وفد طبي أوروبي أمريكي، مؤكداً في فبراير/شباط الماضي أنه عاين بنفسه حالات تشوه خلقي في أوساط الأطفال الجدد، وأن بعض الحالات كانت “مرعبة إلى حدّ غير مسبوق”.
من جهتها، عبّرت منظمة “يونيسف” في بيان حديث عن قلقها الشديد على الأطفال في غزة، مشيرة إلى تزايد خطر الموت والجوع والمرض في ظل الحصار الإسرائيلي، الذي يمنع وصول الغذاء والدواء والمستلزمات الصحية حتى للمواليد الجدد.
ورغم هذه التحذيرات الدولية، لا تزال إسرائيل تواصل حربها بلا رادع، في ظل دعم أمريكي معلن وصمت غربي مريب. ومع تجاوز عدد الشهداء والجرحى الـ170 ألفًا، معظمهم من الأطفال والنساء، وتسجيل أكثر من 11 ألف مفقود، يتحول القطاع إلى ساحة جريمة مفتوحة.
دعوات لتحقيق دولي.. وصرخات من رحم المأساة
الصور والفيديوهات القادمة من غرف الولادة في غزة لم تعد مشاهد ولادة للحياة، بل باتت توثق ولادة للمأساة والموت القادم ببطء. تشوهات خلقية، أطفال بلا أعضاء، حالات نادرة لم تُسجّل من قبل، تشير كلها إلى كارثة صحية وإنسانية ناتجة عن عدوان غير مسبوق.
حركة حماس، بدورها، طالبت بتشكيل لجنة تحقيق دولية في نوفمبر 2024، للتحقيق باستخدام الاحتلال أسلحة محرّمة، مشيرة إلى حالات “تبخّر للأجساد” بفعل قنابل غير معروفة. وعلى الرغم من هذه المطالبات، لا تزال المؤسسات الدولية عاجزة أو متقاعسة عن فتح تحقيق شفاف ومسؤول يحاسب المجرمين.
القضية لم تعد مجرد معركة عسكرية، بل باتت قضية وجود لأجيال فلسطينية تُستهدف في رحم أمهاتها. وإذا استمر الصمت الدولي، فإن الطفلة “ملك” لن تكون سوى أول الغيث في مشهد طويل من الضحايا المجهولين الذين تسلبهم الأسلحة غير التقليدية حقهم في الحياة قبل أن يولدوا.
خاتمة: من ينقذ أطفال غزة؟
تشكّل حالة الطفلة “ملك” جرس إنذار للضمير الإنساني وللمجتمع الدولي الذي تقاعس حتى الآن عن وقف هذه المجازر. ومع كل دقيقة تمر، يسقط مزيد من الضحايا، وتولد مزيد من الأرواح المشوهة تحت نيران محرّمة.
إن الواجب اليوم ليس فقط وقف إطلاق النار، بل فتح تحقيق دولي نزيه وعاجل في الجرائم المرتكبة، وفي طبيعة الأسلحة المستخدمة، ومحاسبة كل من تواطأ وساعد في تحويل أجساد الأطفال الفلسطينيين إلى ساحات تجارب.
اقرأ أيضًا : قصف العزاء والتكية.. الاحتلال يرتكب مجازر متتالية بحق عائلات كاملة في غزة