في تصعيد خطير يُنذر بتوسّع رقعة المواجهة في الشرق الأوسط، شنت الولايات المتحدة غارات جوية على العاصمة اليمنية صنعاء ومدينة صعدة، بعد إعلان جماعة الحوثي فرض “حصار جوي شامل” على إسرائيل، في خطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ بدء حرب غزة.

ويأتي هذا التطور بعد ساعات من إعلان الحوثيين استهداف مطار بن غوريون، الأمر الذي دفع تل أبيب لتهديد اليمن مباشرة، وسط تخوّف من دخول الإقليم في مواجهة أكثر تعقيداً بين محور المقاومة وواشنطن.

تصعيد حوثي غير مسبوق وتحوّل في المعادلة الجوية

في بيان وصف بـ”النوعي”، أعلنت جماعة الحوثي مساء الأحد عن فرض حصار جوي على دولة الاحتلال الإسرائيلي، مطالبةً شركات الطيران العالمية بوقف الرحلات إلى مطارات إسرائيل، حفاظًا على “سلامة الطائرات والعملاء”.

وأوضح المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، أن هذا القرار جاء ردًا على ما وصفه بـ”الجرائم الصهيونية المتواصلة في غزة”، مؤكدًا أن الجماعة قررت نقل المواجهة إلى العمق الإسرائيلي عبر الجو.

هذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الجماعة استهداف مطارات إسرائيلية، لكنّ الجديد هذه المرة أن الاحتلال أقرّ بسقوط صاروخ يمني بالقرب من مطار بن غوريون، ما أسفر عن إصابات وتعليق 12 شركة طيران لرحلاتها نحو إسرائيل. 

هو ما يُعدّ إقرارًا نادرًا من قبل تل أبيب، ويُشير إلى نجاح الحوثيين في تجاوز أربع منظومات دفاع جوي، بينها “حيتس” و”ثاد” الأميركية، وفق الإعلام الإسرائيلي.

وهذا التحول يُعزز فكرة أن الحوثيين لم يعودوا مجرّد طرف يهدد الملاحة في البحر الأحمر، بل أصبحوا لاعبًا إقليميًا يملك القدرة على خرق المجال الجوي الإسرائيلي، ما يضع علامات استفهام حول الجاهزية الدفاعية الإسرائيلية، ويجبر واشنطن على التحرك لاحتواء هذه القوة.

الغارات الأمريكية كرسالة ردع وتحذير مزدوج

رداً على هذا التصعيد، شنت الولايات المتحدة سلسلة غارات جوية مساء الأحد، استهدفت العاصمة اليمنية صنعاء ومناطق في محافظة صعدة. وذكرت قناة “المسيرة” التابعة للحوثيين أن الطيران الأميركي استهدف مديرية بني مطر في صنعاء بست غارات، ووجه ضربة جوية أخرى لمنطقة الملكة في بني حشيش، وغارتين على منطقة سعوان. أما في صعدة، فتم تنفيذ ثلاث غارات شرق المدينة.

هذه الهجمات تأتي بمثابة رسالة مزدوجة من واشنطن، أولها للحوثيين أنفسهم بأن اللعب في ساحة الحليف الاستراتيجي الإسرائيلي سيُقابل برد مباشر، وثانيها لإيران، مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة للتدخل عسكريًا لوقف تمدد حلفائها في اليمن والعراق وسوريا.

اللافت أن الغارات جاءت دون إعلان رسمي فوري من وزارة الدفاع الأميركية، ما يعكس سعي واشنطن لعدم توسيع دائرة التورط العلني في اليمن، في ظل تصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية لحروبها بالوكالة. لكن استخدام الطيران الأميركي بدلًا من وكلاء محليين أو طائرات دون طيار، يدل على جدّية التهديد الذي باتت تشكّله الجماعة اليمنية على المصالح الغربية في المنطقة.

الميدان يتوسع والردع يضعف

مع كل تصعيد جديد في غزة، تتوسع جبهات التوتر لتشمل البحر الأحمر، واليمن، والعراق، وسوريا، ما يؤكد أنّ الحرب لم تعد محصورة بين إسرائيل وحماس، بل دخلت مرحلة “التشابك الإقليمي” المفتوح. وفي ظل فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية في غزة، وتزايد التورط الأميركي في مساندة تل أبيب جوًا وبحرًا، بات واضحًا أن الولايات المتحدة تدفع كلفة دعمها للحرب على عدة جبهات.

الحوثيون، الذين لطالما وُصفوا بكونهم ذراعاً إيرانية في اليمن، تجاوزوا في الآونة الأخيرة وظيفة “الابتزاز البحري” إلى مرحلة المواجهة المباشرة عبر الجو. وهذا يربك الحسابات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، إذ لم تعد منظومة الدفاع الجوي وحدها قادرة على صد هذا الكم المتنوع من التهديدات من الجنوب (اليمن) والشرق (العراق) والشمال (لبنان وسوريا).

إضافة إلى ذلك، فإن التهديد بفرض حصار جوي على إسرائيل يُشكل سابقة لم تشهدها المنطقة من قبل، ويضع المطارات الإسرائيلية في دائرة الاستهداف المباشر، مما قد يؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي وعلى ثقة الشركات الأجنبية، خاصة في ظل تصاعد دعوات المقاطعة والعقوبات على الاحتلال.

من جهة أخرى، فإن الرد الأميركي قد يُسهم في تقوية موقف الحوثيين داخلياً، حيث يتم تسويق هذه الضربات كدليل على فعالية المعادلة الجديدة التي فرضها محور المقاومة، كما تعزّز سردية الجماعة بأنها أصبحت في “واجهة المعركة ضد إسرائيل والولايات المتحدة”، وهو ما يمنحها مزيداً من الشرعية الإقليمية.

ما بعد الغارات.. سيناريوهات مفتوحة

في ظل هذا التصعيد المتسارع، تبدو المنطقة متجهة نحو مزيد من الاحتكاك، خصوصاً إذا استمرت الغارات الأميركية، وردّ الحوثيين بالمثل عبر البحر أو الجو. فهل تقف هذه المواجهة عند حدود الردع المتبادل، أم أن الطرف الأميركي – الإسرائيلي قد يُغامر بتوسيع العملية العسكرية في اليمن لاحتواء التهديد؟

السيناريو الأقرب هو استمرار الضربات الموضعية، مع احتمال توسعها إذا ما استهدفت الجماعة مجددًا مطارات أو مصالح استراتيجية إسرائيلية. أما الحل السياسي، فبات بعيدًا في ظل التحولات التي فرضتها حرب غزة على موازين القوى، وتبدل أولويات الفاعلين الدوليين في المنطقة.

في كل الأحوال، يُشير هذا المشهد إلى نهاية وهم “عزل الساحات”، وتحوّلها جميعاً إلى ميدان مواجهة مفتوح بين محور المقاومة من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى.

اقرأ أيضًا : صاروخ يمني يضرب مطار بن غوريون.. الاحتلال في حالة ذعر