في مشهد يقطر ألماً ويفضح حجم الانهيار الأخلاقي في اليمن، خرج الصحفي اليمني البارز أنور العامري، نائب رئيس تحرير صحيفة “26 سبتمبر” سابقاً، ليعلن أنه قرر بيع إحدى كليتيه لسداد ديونه التي لم تتجاوز 12 ألف ريال سعودي.
لم تكن تلك مجرد صرخة استغاثة شخصية، بل كانت صفعة في وجه كل من صمّ أذنيه عن أصوات المظلومين، وتذكيراً مريراً بأن في هذا الوطن من يموت قهراً في ظل الاحتلال غير المعلن، والخذلان الرسمي، والمجتمع الذي أُنهك حتى بات عاجزاً عن رد الجميل لأبنائه.
لقد كتب العامري – الذي شغل مناصب قيادية في وزارة الدفاع وكان من مؤسسي دائرة التوجيه المعنوي – بياناً مؤثراً عبّر فيه عن بلوغه “طريقاً مسدوداً”. استنفد علاقاته، وطرَق كل الأبواب، فلم يُجب أحد.
لا مسؤولون حكوميون، ولا أصدقاء الأمس، ولا حتى الجهات التي خدمها لسنوات. ورغم مكانته ومهنته، لم يجد سوى جسده ليرهنه مقابل كرامة لم تعد تُطعم جائعاً أو تسد دَيناً.
في بلد يعيش على وقع حرب دامت أكثر من عشر سنوات، ليس مستغرباً أن تجد من يبيع كليته أو يعرض أعضاءه للبيع على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن حين يكون هذا الإنسان أحد منابر الوطن، وأحد من وثّقوا معاركه بالكلمة والصورة، فإننا لا نتحدث عن مجرد مأساة شخصية بل عن سقوط مدوٍّ لمنظومة كاملة.
الناشطون اليمنيون لم يتأخروا في إبداء تضامنهم، فتصدر إعلان العامري منصات التواصل، وتوالت ردود الفعل الغاضبة من زملاء وأصدقاء وحقوقيين اعتبروا ما حدث “وصمة عار” على جبين السلطة والمجتمع معاً. كتب أحدهم: “أنور العامري لا يستعطف.. إنه ينزف وجع الرجال الذين قُهرت كرامتهم”. بينما تساءل آخر: “هل سمعتم عن رجل قرر أن يبيع كليته فقط ليسدد ديونه؟! هذه ليست مأساة فردية، بل سقوط جماعي لمن تواطؤوا بالصمت”.

الكرامة تُباع في سوق المحتل
ما لم يُذكر بصراحة في بيانات التضامن، قاله الناس بمرارة في تعليقاتهم: اليمن اليوم بلد منهوب، مقسم، تتقاسمه قوى خارجية وعلى رأسها الإمارات التي تسلّلت تحت لافتة “التحالف العربي”، لتتحول إلى أكبر مستثمر في النكبة اليمنية.
منذ دخولها اليمن تحت غطاء “إعادة الشرعية”، شرعت أبوظبي في بناء مليشيات موازية، وأنشأت سجوناً سرية، وسعت لتقسيم البلاد فعلياً عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، والسيطرة على الموانئ الاستراتيجية في عدن والمكلا وسقطرى.
وفي الوقت الذي يموت فيه اليمني جوعاً، تحوّل الذهب النفطي اليمني إلى مورد رئيسي لمشاريع الإمارات الاقتصادية، وتُهرّب ثروات البلاد بعيداً عن أعين أصحابها.
لم تكتفِ الإمارات بنهب الموارد، بل شاركت في تجريف البنية المؤسساتية للدولة اليمنية، فتركت مئات الصحفيين والعسكريين والموظفين بلا رواتب، وسط غياب تام لأي مسؤولية تجاه الشعب الذي كان يُفترض أن يكون “الحليف”.
ومثلما هجّرت سكان جزيرة سقطرى، تسببت سياستها في تدمير مقومات الحياة في حضرموت وعدن والمهرة، تاركة أبناء هذه المناطق يواجهون الجوع والفقر والتشريد، بينما تُعرض سواحلهم للبيع وتُحوّل موانئهم إلى قواعد عسكرية.
الفقر الذي صنعته الحرب.. وشركاء النهب
أن يخرج صحفي بوزن أنور العامري ويعرض بيع كليته، فهذه ليست نكتة سوداء بل صورة واقعية لما فعله الحصار، والتجويع الممنهج، والفساد، والانقسام السياسي المدعوم من الخارج.
12 ألف ريال سعودي فقط كانت كافية لتدفع رجلاً خدم بلاده لعقود لأن يعرض أحد أعضائه للبيع! هذا الرقم – الذي لا يعادل إيجار غرفة لمستشار في الحكومة اليمنية المقيمة بالخارج – يكشف هشاشة المنظومة كلها.
مئات الآلاف من اليمنيين يواجهون المصير ذاته: مدرسون بلا رواتب، أطباء بلا معدات، جنود بلا دعم، وأسر بأطفال ينامون جوعى. هذا ليس “قدراً” كما يحلو للبعض أن يبرر، بل نتيجة مباشرة لتآمر دولي إقليمي، وشراكة بين أدوات الداخل وقوى النهب من الخارج.
صرخة العامري.. لحظة اختبار أخلاقي
حادثة الصحفي أنور العامري يجب ألا تمر كأنها مجرد قصة تثير الشفقة. إنها لحظة اختبار أخلاقي لكل يمني وعربي. هل نبقى نراقب أبطالنا يسقطون واحداً تلو الآخر، بينما ينعم “شركاء الحرب” بالغنائم؟ هل يستمر الصمت بينما تُقايض الإمارات ثرواتنا بأمنها، وتُحكم قبضتها على ما تبقى من كرامة في بلدٍ يُذبح كل يوم؟
من العار أن يُترك أمثال أنور العامري وحدهم في مواجهة القهر، ومن الخطيئة أن تُنسى قصصهم بعد ضجة مؤقتة على “تويتر” أو “فيسبوك”. المطلوب ليس فقط التضامن، بل الإدانة الكاملة لهذا النظام المختل الذي يسمح لرجل مثله بأن يعرض جسده للبيع، بينما تسرق الإمارات الوطن كله ولا تُحاسب.
خاتمة
قضية أنور العامري، ليست مأساة فرد، بل مرآة وطن جريح يعيش بين أنياب المحتلين وأدواتهم. في لحظة كهذه، يجب أن نعيد ترتيب الأولويات: لا كرامة مع الاحتلال، ولا وطن مع التبعية، ولا إنسانية مع صمتٍ يبارك الموت البطيء لأبنائنا. فلنحفظ ما بقي من اليمن… قبل أن نضطر جميعاً لبيع كليتنا من أجل البقاء.
اقرأ أيضًا : موجة دمار جديدة ستعم المنطقة.. واشنطن توافق على بيع الإمارات مروحيات عسكرية