في تطور يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب في السودان، كشف مدير المركز القومي لمكافحة الألغام، اللواء خالد حمدان، عن تسجيل 50 حادث انفجار ناجم عن مخلفات النزاع المسلح، أدت إلى مقتل 14 شخصًا وإصابة 36 آخرين، في وقت يستمر فيه الخطر المحدق بحياة المدنيين جراء الألغام والذخائر غير المنفجرة، خاصة في مناطق المواجهات السابقة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات.

حرب الألغام.. إرث مدمر يحصد الأرواح
تأتي هذه الإحصائية الكارثية وسط معاناة متفاقمة يعيشها السودانيون يوميًا بسبب انتشار الألغام ومخلفات الحرب، التي حوّلت الطرقات والقرى إلى مصائد موت. ووفقًا للواء حمدان، فإن فرق نزع الألغام تمكنت من تدمير أكثر من 49 ألف جسم متفجر، تشمل 37 ألف ذخيرة كبيرة، و12 ألف قذيفة صغيرة، إضافة إلى آلاف القطع التي لا تزال بانتظار التدمير، خصوصًا في العاصمة الخرطوم.
هذه الأرقام المروعة ليست سوى جزء من المأساة، إذ إن عمليات التوثيق تظل محدودة بسبب صعوبة الوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها مليشيا الدعم السريع، خاصة في ظل انقطاع الشبكات وتعطّل مؤسسات الدولة، ما يُصعّب على المدنيين الإبلاغ عن الانفجارات.
لكن ما لا يقال رسميًا، هو أن هذه الأجسام المتفجرة ليست عشوائية، بل هي جزء من سياسة الأرض المحروقة التي انتهجتها قوات الدعم السريع أثناء تقهقرها أمام الجيش السوداني، مستخدمة كل ما يمكنه أن يعيق تقدم القوات الحكومية، حتى لو كان الثمن حياة الأبرياء.
الدعم الإماراتي.. بصمات واضحة في الخراب
رغم الصمت العربي والدولي، تؤكد تقارير ميدانية واستقصائية أن الإمارات، التي ظلت تقدم دعمًا ماليًا وعسكريًا لقائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تتحمل قسطًا كبيرًا من مسؤولية هذه الكارثة الإنسانية. فالذخائر التي تم العثور عليها، وفق شهادات ميدانية، بعضها يحمل علامات تصنيع في دول خليجية، ما يثير تساؤلات حول قنوات التسليح والدعم التي ساهمت في تدمير البنية التحتية السودانية وتحويل المدن إلى ساحات حرب.
لم تقتصر نتائج هذا الدعم الإماراتي على تعزيز النزاع، بل شملت أيضًا توسيع رقعة الدمار في المناطق المدنية، وخصوصًا في العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة، اللتين شهدتا أشرس المعارك. وأشار اللواء حمدان إلى أن الخرطوم تُعد من أكثر المناطق تلوثًا بالألغام، خاصة في محيط مصفاة الجيلي ومنطقة صالحة جنوب أم درمان، وهي مناطق حساسة كانت هدفًا استراتيجيًا لمليشيا حميدتي.
ورغم الجهود الكبيرة التي يبذلها “سلاح المهندسين” التابع للجيش السوداني، فإن اتساع رقعة التلوث وطبيعة الذخائر المزروعة -بما فيها القنابل العنقودية والمفخخات المدفونة بعمق- تُصعّب عمليات الإزالة وتُهدد حياة الفرق الميدانية.
صمت دولي وتواطؤ إقليمي
يأتي الكشف عن هذه الأرقام في ظل صمت دولي مريب، واكتفاء المؤسسات الأممية ببيانات إدانة دون تحرك فعلي على الأرض. والمفارقة أن السودان الذي كان يستقبل بعثات دولية لنزع الألغام في مناطق النزاع سابقًا، بات الآن عاجزًا عن دعوة هذه البعثات، نتيجة تآكل سيادة الدولة وتعقيد الوضع الأمني.
كما أن الدور الإماراتي في تغذية هذا النزاع، بات حديث الأوساط السياسية، خصوصًا بعد تقارير وثقتها منظمات حقوقية تفيد بأن أبوظبي أرسلت طائرات شحن محمّلة بالأسلحة والمرتزقة إلى حميدتي عبر قواعد في تشاد وأريتريا.
هذا الدعم لم يكن هدفه فقط تقوية طرف ضد آخر، بل كان مقدمة لمخطط تقسيم السودان، عبر تمكين مليشيات محلية من السيطرة على مناطق استراتيجية مقابل دعم سياسي وإعلامي إقليمي.
وفي هذا السياق، يُطرح السؤال الأهم: هل سيُحاسب المتورطون؟ وهل سيكون هناك تحقيق دولي نزيه لتوثيق الجرائم الناتجة عن هذه الألغام؟ وهل ستُدرج الإمارات في يوم ما ضمن قائمة الدول التي ساهمت في جرائم حرب عبر وكلائها؟ هذه الأسئلة تُحيلنا إلى مسؤولية المجتمع الدولي، ومنظومة العدالة العالمية التي ما تزال حتى الآن تغض الطرف.
في الختام: الألغام لا تنفجر فقط.. بل تكشف حقيقة الداعمين
إن المأساة التي يشهدها السودان اليوم ليست فقط نتيجة حرب بين جيش ومليشيا، بل هي أيضًا نتيجة تدخلات إقليمية مدمرة، تأتي في مقدمتها الإمارات، التي قدمت الدعم الكامل لحميدتي رغم تقارير الانتهاكات وجرائم الحرب.
ما يحدث اليوم هو نتيجة سياسات خارجية قصيرة النظر، حوّلت السودان إلى حقل ألغام مادي ومعنوي، سيكون من الصعب تجاوزه دون محاسبة عادلة ودعم حقيقي لجهود تطهير البلاد من تبعات النزاع، وإعادة بناء الثقة في الدولة والمؤسسات.
السودان لا يحتاج فقط إلى نزع الألغام من الطرقات.. بل إلى نزع الأيادي التي زرعتها.
اقرأ أيضًا : السودان يحترق بتمويل إماراتي: مذبحة جديدة للدعم السريع في ولاية الجزيرة تخلف 50 قتيلاً ومئات الجرحى