في ظل المجاعة المتصاعدة التي يعاني منها الفلسطينيون في قطاع غزة جراء الحصار الإسرائيلي المتواصل منذ أكثر من سبعة أشهر، أطلقت سلطات الاحتلال مؤخرًا آلية جديدة لتوزيع المساعدات الغذائية جنوب القطاع، تحت إشراف شركة أمنية أمريكية، متجاوزة المؤسسات الإنسانية الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة. 

رغم محاولات الاحتلال تسويق هذه الخطة كاستجابة إنسانية، إلا أن الوقائع على الأرض والانفجار الشعبي الذي رافقها كشفا عن فشل ذريع ومخطط خطير يهدف للسيطرة الأمنية على السكان عبر لقمة العيش، وهو ما وصفته حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بأنه “فخ أمني مغطّى بالمساعدات”.

فخ إنساني بغطاء أمني: المساعدات أداة للهيمنة

أظهرت مشاهد من منطقة “المواصي” جنوب قطاع غزة، اندفاع آلاف الفلسطينيين نحو مراكز توزيع المساعدات التي أقامها الاحتلال، وهو ما أدى إلى حالة من الفوضى وإطلاق نار مباشر على المدنيين العُزّل.

حماس اعتبرت هذا المشهد تأكيدًا واضحًا على الطبيعة القسرية للمخطط، حيث تحوّلت ما يُسمّى “الآلية الإنسانية” إلى مصيدة تُعرض حياة الناس للخطر وتُستخدم كأداة للابتزاز السياسي والأمني.

وأضافت الحركة أن الاحتلال صمّم هذه الخطة لتجاوز المؤسسات الإنسانية الشرعية وتهميش دور الأمم المتحدة، في سعي واضح للسيطرة على السكان وتجريدهم من حقوقهم الأساسية.

وأكدت أن ما يُطلق عليه “مواقع التوزيع الآمن” ليست إلا نقاط عسكرية في شكل مدني، تُمثّل امتدادًا لسياسات “الممرات الإنسانية” التي اعتُمدت في صراعات أخرى كسوريا والعراق، وتهدف إلى فرض وقائع أمنية جديدة على الأرض من خلال المعونات الغذائية.

هروب المرتزقة وإطلاق النار.. مؤشرات على الفشل

في اليوم الأول لتطبيق الآلية الجديدة، أفادت شهادات ميدانية بأن عدداً قليلاً من المواطنين توافدوا بدايةً إلى المركز المحدد لتوزيع المساعدات، ليعودوا بصناديق كرتونية تحوي مواد غذائية أساسية مثل الدقيق والسكر والزيت والمعكرونة. 

إلا أن المشهد تغيّر سريعًا بعد بث الاحتلال مشاهد مصورة عن التوزيع، إذ اندفع آلاف المواطنين الجوعى نحو المركز، ما أدى إلى فقدان الشركة الأمنية الأمريكية السيطرة على الحشود، فهرب مسلحوها من المكان، وتدخلت طائرات الاحتلال بإطلاق النار لتفريق الجموع، مما أدى إلى وقوع إصابات واعتقالات.

ورغم عدم تأكيد رسمي بعدد المعتقلين، فإن شهود العيان أفادوا بأن عناصر الاحتلال اقتادوا بعض المواطنين من محيط المكان، في مشهد لا يحمل أي دلالة إنسانية، بل يؤكد على أن العملية كانت ذات طابع أمني واستخباراتي خالص، يُراد من خلالها رصد الأفراد ومراقبة سلوكهم وتحرّكاتهم.

وزارة الداخلية في غزة عززت هذه الفرضية في بيان حذّرت فيه من استخدام الاحتلال للمساعدات في تنفيذ أجندات أمنية عبر “مؤسسة مشبوهة ممولة إسرائيليًا”، مؤكدة أن إدخال المساعدات يجب أن يتم عبر المؤسسات الدولية المعتمدة، وفي مناطق سكن المدنيين وليس من خلال نقاط عزلة وتحكّم عسكري.

حماس تحمّل الاحتلال المسؤولية وتدعو إلى تدخل دولي عاجل

من جانبها، طالبت حركة حماس المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمنظمات الإنسانية والدول العربية والإسلامية، بالتدخل الفوري لوقف هذه المخططات الخطيرة التي تُنفّذ باسم الإنسانية بينما تهدف إلى تكريس السيطرة الاحتلالية وشرعنة أدوات التجويع والهيمنة على قطاع غزة. 

ودعت إلى فتح المعابر الرسمية دون شروط أو وسطاء، وتمكين إدخال المساعدات عبر القنوات الإنسانية الشرعية، بعيدا عن “الخداع الاحتلالي” الذي لم يعد يخفى على أحد.

وشددت الحركة على أن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يُخضع من خلال لقمة العيش أو يُساوم على كرامته مقابل صندوق غذاء، معتبرة أن الخطة الإسرائيلية لتوزيع المساعدات فشلت فشلا ذريعا، كما فشلت سابقاتها من محاولات الرصيف العائم والمناطق العازلة، والتي سعت كلها إلى كسر إرادة الفلسطينيين وترسيخ الاحتلال كأمر واقع.

وفي الوقت الذي تحوّل فيه الغذاء إلى سلاح، والمساعدات إلى أدوات ابتزاز وتجنيد ورصد، يواجه سكان غزة معركة مزدوجة: معركة البقاء في ظل الحصار والمجاعة، ومعركة الكرامة في وجه مخططات الاحتلال الاستخباراتية. 

ومع عجز الاحتلال عن تحقيق إنجازات عسكرية حقيقية في غزة، يبدو أنه يلجأ إلى تجريب أدوات التجويع والتحكّم الإنساني، إلا أن وعي الفلسطينيين، بحسب مراقبين، كفيل بإفشال هذه المحاولات كما أفشلوا من قبل مشاريع التطبيع والتهجير والتقسيم.

ختامًا، تؤكد التطورات الجارية أن الاحتلال بات يترنح في خياراته، وأنه كلما فشل في المعركة العسكرية، عاد إلى الورقة الإنسانية علّها تُنقذه، ولكنها هذه المرة انقلبت عليه، لتكشف هشاشة خططه وعمق مأزقه الأخلاقي والسياسي. 

فغزة ليست فقط ميدانًا للحرب، بل ساحة للصمود وفضح من يزعمون الإنسانية وهم يتربصون بلقمة الفقير.

اقرأ أيضًا : مغول هذا العصر.. الاحتلال دمّر 95% من أراضي غزة الزراعية