ضربت مدينة الإسكندرية المصرية، السبت، عاصفة مطرية عنيفة ترافقت مع رياح قوية وتساقط نادر للثلوج، ما أدى إلى تهشم عدد من السيارات، وسقوط لوحات إعلانية وأعمدة إنارة في عدد من الشوارع الحيوية دون تسجيل خسائر بشرية حتى لحظة كتابة هذا التقرير.
هذه العاصفة “الغريبة”، كما وصفها سكان المدينة، تسببت في حالة شلل شبه تام، بعد أن تحولت شوارع الإسكندرية إلى ساحات من الفوضى والدمار.
المناطق الأكثر تضررًا كانت سيدي جابر، سموحة، ومحرم بك، حيث أبلغ المواطنون عن تطاير ألواح معدنية من الإعلانات، وسقوط أجزاء من أبنية متهالكة، وتهشم واجهات عدد من السيارات المتوقفة.
وأظهرت مقاطع فيديو وصور تم تداولها بكثافة عبر منصات التواصل الاجتماعي مشاهد مروعة لانهيارات جزئية، وتساقط ثلجي نادر في المدينة، في وقت تعاني فيه البنية التحتية من إهمال مستمر منذ سنوات.
الهيئة العامة للأرصاد الجوية أكدت أن العاصفة ستستمر لساعات قادمة، متوقعةً هطول أمطار رعدية متوسطة إلى غزيرة، مع اضطرابات عنيفة في الملاحة البحرية على سواحل البحر المتوسط، لا سيما مع اشتداد سرعة الرياح التي قد تثير الأتربة وتغلق بعض الطرق.

تعطيل الدراسة والامتحانات.. شلل تام في المدينة
أمام هذه الأجواء العاصفة، أعلنت جامعة الإسكندرية تأجيل جميع امتحانات السبت 31 مايو 2025، في كافة الكليات والمعاهد التابعة لها، حرصًا على سلامة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وهي خطوة تعكس حجم التهديد الذي فرضته العاصفة على الحياة اليومية في المدينة. كما أُغلقت عدة مدارس ومرافق حكومية، وتم إعلان حالة الطوارئ القصوى في المستشفيات وأجهزة الدفاع المدني والإسعاف، تحسبًا لأي تطورات كارثية.
لكن هذا القرار لم يكن كافيًا لتهدئة غضب الأهالي، الذين انتقدوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ضعف الاستعدادات الحكومية، والتجاهل المستمر لصيانة البنية التحتية المهترئة في المدينة، خاصة في ظل التحذيرات التي كانت متوقعة منذ أيام بقدوم تقلبات جوية.
ورغم أن الحكومة المصرية رفعت شعارات “البنية التحتية الحديثة” و”مدن الجيل الرابع”، فإن الواقع في المدن الساحلية القديمة كالإسكندرية يُظهر عكس ذلك تمامًا، حيث تتكرر المشاهد نفسها كل شتاء: غرق شوارع، وانهيار أبنية، وتوقف في خدمات الكهرباء والمواصلات.
الإسكندرية نموذج لفشل بنية السيسي التنموية
عاصفة السبت لا تكشف فقط قسوة الطقس، بل تعرّي بشكل فجّ عجز النظام المصري الحالي عن مواجهة الأزمات الطبيعية، أو حتى التهيؤ لها. فمنذ صعود عبد الفتاح السيسي إلى الحكم، رُصدت مئات المليارات من الجنيهات لمشاريع “عملاقة” ظاهرها التطوير، لكن أغلبها تركز في العاصمة الإدارية الجديدة أو مناطق النخبة، بينما تُركت المدن التاريخية كالإسكندرية والفيوم والمنيا تواجه مصيرها المجهول.
في الإسكندرية، التي كانت يومًا ما عاصمة مصر الثقافية، يضطر السكان إلى التعامل سنويًا مع فيضانات الشوارع وغرق المنازل والمحال، بسبب غياب شبكة صرف صحي متطورة، ورداءة التخطيط العمراني، وغياب الصيانة الدورية.
اللافت أن معظم الكوارث الناتجة عن العواصف – مثل سقوط الإعلانات واللوحات الحديدية – تعود لتراخيص فوضوية ومخالفات بناء تم التغاضي عنها في مقابل رشاوى وفساد محلي. وهو ما يؤكد أن الفساد لم يعد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى نظام إداري مُستقر.
وتأتي هذه الكارثة بينما تعاني مصر من أزمات اقتصادية خانقة، جعلت السلطات غير قادرة على توفير الموارد اللازمة لترميم أو صيانة البنية الأساسية. في المقابل، تُنفق المليارات على بناء قصور رئاسية ومشاريع استعراضية لا تخدم المواطن البسيط، بل تخدم أجندة سياسية تسعى لتجميل صورة النظام في الخارج.
متى تنتقل “خطة التنمية” من الشعارات إلى الشوارع؟
تكشف عاصفة الإسكندرية عن فجوة مرعبة بين ما تروّج له السلطة من “نهضة تنموية” وبين واقع الناس على الأرض، حيث لا كهرباء ولا صرف صحي ولا جهوزية في حال الطوارئ. فهل تحتاج الحكومة إلى عاصفة كل عام كي تتذكر وجود ملايين المواطنين الذين يعيشون في مدن تعاني من تصدع البنية التحتية؟
الغضب الشعبي الذي أبداه سكان الإسكندرية على منصات التواصل ليس مجرد تذمر موسمي، بل يعكس شعورًا متزايدًا بأن الدولة تخلّت عن واجباتها الأساسية، مقابل التركيز على مشروعات لا يراها المواطنون إلا في نشرات الأخبار الرسمية.
لقد بات واضحًا أن معركة المصريين اليوم ليست فقط ضد عواصف الطبيعة، بل ضد عاصفة أخرى أشد خطورة: عاصفة الإهمال، والفساد، وسوء التخطيط.
اقرأ أيضًا : “أوقاف مصر للبيع”.. كيف يحوّل السيسي أموال الفقراء إلى صفقات للقطاع الخاص؟