شهدت مدينة بورتسودان، التي تحولت إلى مقر الحكومة السودانية المؤقتة، هجوماً جديداً بطائرات مسيرة في سابقة أعادت المخاوف الأمنية إلى المدينة الساحلية، التي كانت تُعتبر حتى وقت قريب ملاذاً آمناً للهاربين من جحيم الحرب.
ورغم التصدي الناجح من جانب الجيش السوداني عبر صواريخ مضادة للطائرات، إلا أن دوي الانفجارات وتحليق المسيرات فوق رؤوس المدنيين أطلقا إنذاراً جديداً بأن الحرب لم تعد مقتصرة على الخرطوم ودارفور، بل باتت تلاحق الدولة السودانية إلى ما تبقى من مؤسساتها.
الهجوم الأخير يُنسب إلى قوات الدعم السريع، التي وسعت في الأسابيع الأخيرة من استراتيجيتها الحربية لتشمل هجمات بعيدة المدى تستهدف مراكز حيوية في مناطق سيطرة الجيش، مثل المطارات ومحطات الطاقة ومستودعات الوقود.
الهجمات يراها مراقبون على أنها تأتي بدعم لوجستي واستخباري مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة، المتهمة دوليًا بإذكاء نيران الحرب في السودان عبر دعم قوات الدعم السريع بالسلاح والتقنيات الحديثة.

الضربة في قلب الدولة: محاولة شل الحكومة المركزية
مصادر عسكرية وشهود عيان أكدوا أن الدفاعات الجوية للجيش السوداني اعترضت طائرات مسيرة في شمال وغرب مدينة بورتسودان، وأن دوي الصواريخ المضادة للطائرات دوّى في الأرجاء، ما دفع بالسكان إلى الاحتماء في منازلهم. هذا الهجوم لم يكن معزولاً، بل يأتي بعد أيام من توقف الغارات التي استهدفت منشآت مدنية مهمة، بينها المطار المدني الوحيد المتبقي في السودان، ومحطات الكهرباء والوقود، ما يُشير إلى تصعيد مُمنهج له دلالات استراتيجية.
فمدينة بورتسودان، الواقعة في شرق البلاد على ساحل البحر الأحمر، تحولت منذ انسحاب الجيش من الخرطوم في بداية الحرب إلى مركز ثقل سياسي، حيث نُقلت إليها الوزارات والسفارات ووكالات الأمم المتحدة، إضافة إلى استقبالها مئات الآلاف من النازحين. كما تمر عبر ميناء المدينة معظم المساعدات الإنسانية المُوجهة إلى 25 مليون شخص يعانون من أزمة غذائية هي الأخطر في تاريخ البلاد.
استهداف بورتسودان، إذن، لا يعد فقط عملاً عدائيًا ضد الجيش، بل هو محاولة لكسر ظهر الدولة السودانية وتمزيق ما تبقى من مؤسساتها. وهذا ما يفسر الاهتمام العسكري والدبلوماسي الكبير بهذه المدينة، باعتبارها القلب الذي يضخ الشرعية السياسية والإدارية المتبقية للبلاد.
الدور الإماراتي: من الدعم السياسي إلى التورط في الإبادة
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، اتهمت منظمات دولية ووسائل إعلام عدة، أبرزها صحيفة الغارديان البريطانية، دولة الإمارات بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال، بل وبفتح ممرات لتهريب الطائرات المسيّرة والمعدات العسكرية من ليبيا وتشاد. وتفيد تقارير استخباراتية بأن أبو ظبي لم تكتفِ بالدعم المالي، بل وفّرت خبراء تقنيين لتدريب عناصر الدعم السريع على استخدام الطائرات المسيرة الإيرانية الصنع في عمليات طويلة المدى.
هذا الدعم الذي كان في البداية غير معلن، أصبح أكثر وضوحًا بعد أن بدأت طائرات الدعم السريع تضرب أهدافًا بعيدة عن مناطق نفوذها في دارفور والجنوب، لتصل إلى الشرق والشمال. وتُظهر أنماط الهجمات والدقة العالية المستخدمة في ضرب منشآت مثل المطارات ومحطات الطاقة أن هناك جهات تملك قدرات تكنولوجية متقدمة تقف خلف هذه العمليات.
الجيش السوداني من جانبه لمّح في بيانات غير رسمية إلى “تدخلات خارجية” تؤجج النزاع، في إشارة واضحة إلى دور الإمارات. ويذهب مراقبون إلى أن هذا الدعم يدخل في سياق أجندة أوسع للإمارات تهدف إلى فرض وكلاء محليين يُمكّنونها من الهيمنة على الموانئ البحرية والطرق التجارية في شرق إفريقيا، خصوصًا ميناء بورتسودان الاستراتيجي.
ويُذكر أن قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب في دارفور، بما في ذلك عمليات تطهير عرقي في الجنينة والفاشر، وسط صمت دولي مثير للريبة، ما يعزز الاتهامات بأن الدعم الإماراتي لا يقتصر على الميدان العسكري، بل يشمل التغطية السياسية في المحافل الدولية، من خلال شبكات الضغط واللوبيات.
خاتمة: بلد ممزق بين قوتين وحرب مفتوحة بلا أفق
يدخل النزاع السوداني عامه الثالث في ظل انقسام جغرافي خطير: الجيش يسيطر على شمال وشرق ووسط البلاد، بينما تفرض قوات الدعم السريع سيطرتها على معظم دارفور وأجزاء من الجنوب. ومع فقدان العاصمة الخرطوم وتدهور الأوضاع في بقية المدن، تبدو بورتسودان بمثابة آخر معاقل الدولة السودانية.
لكن الهجمات الأخيرة على المدينة تُنذر بتحوّل نوعي في مسار الحرب، وربما مقدمة لمرحلة جديدة تُصبح فيها كل المدن السودانية أهدافًا محتملة لمسيرات “مدعومة إماراتيًا”. في ظل هذا التصعيد، يتزايد القلق من دخول السودان في سيناريو “تفكك تام” على غرار ما حدث في الصومال وليبيا.
إن استمرار الحرب وتواطؤ بعض الدول الإقليمية في تغذيتها، لن يؤدي فقط إلى سقوط آلاف الضحايا، بل سيحول السودان إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح، يتهدد الأمن القومي لدول الجوار، ويُهدد الملاحة في البحر الأحمر، ويُعطل المساعدات الإنسانية لملايين الجوعى. فهل يتحرك المجتمع الدولي لوقف الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع؟ أم أن الخراب سيستمر إلى أن يتحول السودان إلى بلد بلا دولة؟
اقرأ أيضًا : بدعم إماراتي.. “الدعم السريع” تقصف مستشفى وتُفجّر الوضع الإنساني وسط السودان