نشرت مجلة إيكونوميست البريطانية تقريراً لافتاً بعنوان “الخاسرون في الشرق الأوسط الجديد”، سلطت فيه الضوء على أبرز الأنظمة التي خسرت نفوذها ومكانتها الإقليمية وسط التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، معتبرة أن رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي يأتي في صدارة هؤلاء الخاسرين.
ففي مقارنة بين حاضر السيسي وماضيه، ذكّرت المجلة بالعام 2017، حين استُقبل في البيت الأبيض بحفاوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصفه بـ”ديكتاتوره المفضل”، كما حظي السيسي بمكانة رمزية في “قمة الرياض” مع ترامب في مايو من العام ذاته.

لكن هذه الصورة تغيّرت جذرياً اليوم. فحين عادت الولايات المتحدة لتعيد رسم تحالفاتها الإقليمية، لم يُستدع السيسي، ولم يُمنح أي دور مؤثر، وكأن النظام المصري بات خارج الحسابات الفعلية للقوى الكبرى، لا سيما بعد التحولات الكبرى التي طرأت في العلاقات الإقليمية مثل التطبيع الخليجي مع إسرائيل، والتحولات في أولويات الرياض وأبو ظبي.

 

الاقتصاد أول الأدلة.. هدر وفرص ضائعة وديون تتراكم

ترى إيكونوميست أن السبب الأول لانحدار مكانة النظام المصري هو ما وصفته بـ”الدمار الاقتصادي المتعمد” الذي قاده السيسي على مدى عقد من الزمن.
فبدلاً من التركيز على إصلاحات اقتصادية حقيقية تشجّع القطاع الخاص وتعيد هيكلة السوق المصري، لجأ السيسي إلى سياسة المشاريع الضخمة عديمة الجدوى، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وشبكات الطرق غير المدروسة، ومشاريع رفاهية لا تعود بالنفع المباشر على المواطن المصري.

وقد موّلت هذه المشروعات من خلال سياسة اقتراض مفرطة، أدخلت البلاد في نفق طويل من الديون. وتشير المجلة إلى أن الدين العام المصري بلغ 13.3 تريليون جنيه مصري بحلول الربع الثالث من عام 2024، بينما تخطّى الدين الخارجي حاجز 155.3 مليار دولار، بحسب بيانات وزارة التخطيط.

واللافت أن هذه الديون لم تُترجم إلى تحسّن في مؤشرات التنمية أو انخفاض في معدلات الفقر والبطالة، بل العكس تماماً، إذ شهد الجنيه المصري انهياراً متكرراً، وفقدت الدولة سيادتها على الكثير من مواردها بعد بيع أصولها الاستراتيجية، من موانئ وشركات إلى أراضٍ ومرافق عامة، لصالح مستثمرين خليجيين أو دوليين.

ويعود أصل هذه الكارثة إلى نوفمبر 2016، حين قبل السيسي أول قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار، تبعته قروض متلاحقة وصلت إلى 20 مليار دولار حتى عام 2021، وجرى رفعها مجدداً في 2023 إلى 8 مليارات دولار. 

لكن أياً من هذه الأموال لم تُستخدم لتمكين الطبقة المتوسطة أو تحفيز الابتكار أو دعم الزراعة والصناعة، بل جرى تبديدها عبر منظومة بيروقراطية يسيطر عليها الجيش ومجموعة ضيقة من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام.

الخليج يتخلى.. والانبطاح لم ينقذ السيسي من العزلة

لم تغفل المجلة الحديث عن العلاقة المتذبذبة بين السيسي وحلفائه التقليديين في الخليج، خاصة السعودية والإمارات. 

فهذان البلدان اللذان ضخّا مليارات الدولارات لإنقاذ نظامه بعد الانقلاب العسكري عام 2013، بدا عليهما التراجع عن هذا الدعم في السنوات الأخيرة، مع تركيزهما على استثمارات تحقق عوائد مباشرة، بدل المساعدات المجانية التي كانت تُمنح بلا شروط.

السيسي، وفق إيكونوميست، قدّم كل ما بوسعه لإرضاء هذه العواصم، من دعم علني للتطبيع مع إسرائيل، إلى بيع الأصول السيادية، إلى محاولات التنسيق الأمني معهم في ملفات مثل اليمن وليبيا. لكنه لم يحصل على شيء بالمقابل، لأن هذه الدول باتت تتعامل مع القاهرة بوصفها عبئاً مالياً لا قيمة جيوسياسية له.

في المقابل، برزت عواصم جديدة في الإقليم مثل أنقرة والرياض وأبو ظبي وتل أبيب، حيث تملك كل منها مشروعاً واستراتيجية وأدوات تأثير، بينما تبقى القاهرة رهينة للديون والبيروقراطية العسكرية التي عطّلت كل فرصة للنهوض.

ماذا بعد؟ مستقبل غامض ومخاوف من انهيار حتمي
تختتم إيكونوميست تقريرها بتساؤلات مفتوحة حول مستقبل مصر تحت حكم السيسي. فبين اقتصاد منهار، وتضخم مفرط، وتراجع غير مسبوق في قيمة الجنيه، تتصاعد المخاوف من أن يكون النظام المصري قد بلغ مرحلة “اللاعودة”.

فشباب مصر اليوم لا يجدون فرصة عمل، ولا أملاً سياسياً، ولا قدرة على تحمّل تكاليف الحياة اليومية. والمؤسسات المدنية شبه معطلة، والجيش يتدخل في كل القطاعات، والقضاء فقد استقلاله، بينما تتجه الدولة شيئاً فشيئاً نحو نموذج أمني صارم يخنق الحريات ويمنع حتى النقد البناء.

أما إقليمياً، فقد أُخرجت مصر من معادلات الحرب والسلم في المنطقة، بل أصبحت تابعاً هشاً في لعبة كبرى تقودها قوى أخرى. والمفارقة أن “الانبطاح” الذي مارسه السيسي أمام الخليج وإسرائيل لم يشفع له، بل زاد من عزلته وأظهر ضعفه.

باختصار، تقول إيكونوميست: “عبد الفتاح السيسي خسر كل شيء.. المال، الحلفاء، المكانة، والشعب. وما تبقى له سوى الانتظار في مقعد المتفرج، يشاهد الشرق الأوسط الجديد يُرسم من دون أن يكون له مكان فيه”.

اقرأ أيضًا : عاصفة الإسكندرية تكشف هشاشة البنية التحتية في عهد السيسي