رغم مرور 600 يوم على حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، لا تزال المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب عز الدين القسام، تثبت حضورها الميداني الصلب في مواجهة آلة الاحتلال.
ففي مشهد جديد من الاشتباكات الضارية، أعلنت القسام مساء الاثنين، تنفيذ كمين محكم لقوات الاحتلال شرق جباليا شمال قطاع غزة، ما أدى إلى مقتل وإصابة جنود إسرائيليين، وسط عجز ميداني واضح عن تنفيذ عمليات الإجلاء.
الحدث يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول مدى قدرة الاحتلال على تحقيق أهدافه بعد ما يقارب عامين من العدوان، ويؤكد أن الميدان ما زال مفتوحاً، وأن المعادلة لم تُحسم رغم آلة الحرب الوحشية والدعم الأمريكي السخي.

الكمين.. تفاصيل العملية وتعقيداتها الميدانية
في بيان مقتضب، كشفت كتائب القسام عن وقوع اشتباكات ضارية على تخوم مخيم جباليا من مسافة صفر، مؤكدة أنها كبّدت جنود الاحتلال خسائر مباشرة بين قتيل وجريح. وبحسب وسائل إعلام عبرية، فإن ما جرى لم يكن مجرد اشتباك، بل “كمين مركب وصعب”، تضمن استهدافاً دقيقاً لآلية عسكرية إسرائيلية من طراز “هامر” بصاروخ موجه مضاد للدروع.
وأشارت تقارير عبرية إلى مقتل ثلاثة جنود وإصابة اثنين آخرين في الكمين، بينما حاولت ثلاث مروحيات عسكرية إجلاء الجنود وسط إطلاق نار كثيف في محيط العملية، إلا أن العملية فشلت بسبب كثافة الاشتباكات، مما يعكس سيطرة نارية محكمة من جانب المقاومة على أرض الميدان.
ويعد هذا الفشل المتكرر في عمليات الإجلاء مؤشراً على تطور تكتيكات المقاومة، لا سيما من حيث إدارة النيران، وتحديد مناطق الإنزال الجوي المحتمل، واستهدافها بالنيران لتعطيل عمليات الإنقاذ.
تعدد الجبهات: القسام تهاجم في الجنوب والشمال
الهجوم في جباليا لم يكن المعركة الوحيدة خلال الساعات الماضية. فبحسب بيان صادر عن كتائب القسام، فقد استهدفت الكتائب تجمعاً لقوات الاحتلال شرق بلدة القرارة في خانيونس جنوب القطاع بـ13 قذيفة هاون من عيارَي 120 و60 ملم، بالإضافة إلى استهداف موقع العين الثالثة بثلاثة صواريخ “رجوم” قصيرة المدى.
هذا التوزيع الجغرافي للهجمات يعكس استراتيجية المقاومة في تشتيت القوات المهاجمة، والضغط على أكثر من محور بالتوازي، لمنعها من التفرغ لجبهة واحدة أو التقدم فيها. كما يعكس قدرة تنظيمية ولوجستية رغم ظروف الحرب القاسية.
وفي هذا السياق، يلاحظ أن العمليات تتسم بتكرار متسارع، يربك الحسابات العسكرية للاحتلال ويستنزف جهده الاستخباري والميداني، في حين تتزايد خسائره في صفوف الجنود والمعدات.
600 يوم من الحرب.. والمقاومة لا تزال تقاتل
تمر هذه الاشتباكات بعد 600 يوم كامل من حرب دامية شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، أسفرت عن استشهاد أكثر من 178 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، من بينهم عشرات الآلاف من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى 11 ألف مفقود، ومجاعة خانقة تهدد حياة مئات الآلاف، وسط انهيار تام للبنية التحتية الصحية والخدماتية في القطاع.
وعلى الرغم من هذا الواقع الكارثي، فإن المقاومة الفلسطينية لا تزال صامدة، بل وتثبت يومًا بعد يوم أنها قادرة على إلحاق الخسائر بالعدو وإفشال خططه على الأرض. فخلال الأيام الأخيرة فقط، نُفذت عمليات نوعية من قبل القسام، تظهر أن الحصار والحرب والدمار لم تنجح في كسر إرادة القتال، بل زادت المقاومة عنفواناً وخبرة.
الكمين في جباليا، إلى جانب العمليات في خانيونس، يوجه رسالة واضحة: رغم المجازر، ورغم العجز الدولي عن فرض وقف للعدوان، فإن الفلسطينيين لا يزالون يردّون بالسلاح والكمائن، ويجعلون من كل تقدم إسرائيلي في القطاع مغامرة دامية محفوفة بالفشل.
ختام تحليلي: معركة استنزاف طويلة والاحتلال في مأزق
تمثل هذه العمليات نقلة نوعية في تكتيك المقاومة، فهي لا تكتفي بالرد الصاروخي من الخلف، بل تخوض اشتباكات من نقطة الصفر، وتباغت قوات الاحتلال بكمائن مميتة في مناطق يظن أنها “مؤمنة”. ويُلاحظ أن الاحتلال يواجه صعوبة متزايدة في إدارة المعركة، لا فقط على المستوى الميداني، بل أيضًا على المستوى السياسي والإعلامي، حيث يتوالى سيل الانتقادات من عائلات الجنود الإسرائيليين ووسائل الإعلام العبرية.
في المقابل، فإن القسام والفصائل الفلسطينية ينجحون في إيصال رسائل ميدانية قوية، مفادها أن المعركة لم تنته، وأن الاحتلال رغم تفوقه التقني والجوي، لا يستطيع فرض إرادته على أرض غزة.
الكمين شرق جباليا، بكل تفاصيله المعقدة، يكشف عمق المأزق الإسرائيلي، ويؤكد أن كل يوم تمضي فيه الحرب هو يوم جديد تُثبت فيه غزة أنها لا تُكسر بسهولة، وأن المقاومة، بعد 600 يوم من الحرب، لا تزال عصية على الانكسار.
اقرأ أيضًا : عباس يتواطأ والمستوطنون يعيثون فسادًا: إصابة فلسطينيين واعتداءات جديدة في الضفة