في تطور لافت ضمن جهود المجتمع المدني المغاربي والدولي لكسر الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة، بدأت قافلة “الصمود” دخولها الأراضي الليبية قادمة من تونس، بعد أن عبرت معبر رأس جدير الحدودي فجر اليوم الثلاثاء.

ويعد هذا التحرك واحداً من أبرز المبادرات المدنية التي تشهدها المنطقة دعماً لغزة، وسط تواطؤ رسمي عربي وتخاذل دولي متزايد.

قافلة رمزية بلا مساعدات.. لكنها محمّلة برسائل سياسية

بعكس ما اعتاد عليه الرأي العام من قوافل مساعدات محمّلة بالإغاثة والتموين، لا تحمل قافلة الصمود هذه المرة أية مواد إغاثية، بل اختارت أن تكون رمزية، تحمل عشرات الحافلات والسيارات، وأكثر من 1500 ناشط من تونس، الجزائر، المغرب، وموريتانيا، وينضم إليهم آخرون من ليبيا. 

الهدف المعلن ليس التبرع، بل إيصال رسالة واضحة: الشعوب المغاربية حاضرة في معركة كسر الحصار عن غزة، حتى وإن غابت حكوماتها أو وقفت متواطئة.

يندد المشاركون في القافلة بالعدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة، ويرفعون أعلام فلسطين، ويرددون هتافات تتهم الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب مجازر، وتدين في ذات الوقت صمت المجتمع الدولي. 

ومن المتوقع أن تعبر القافلة الأراضي الليبية باتجاه الشرق، مروراً بطرابلس ومصراتة وسرت، وصولاً إلى بنغازي ثم طبرق، قبل محاولة العبور إلى مصر عبر معبر السلوم.

القاهرة تتلكأ.. والسيسي في موقف “الحارس للاحتلال”

في الوقت الذي دخلت فيه القافلة الأراضي الليبية بنجاح، تطرح تساؤلات كبيرة حول موقف السلطات المصرية، خاصة بعد أنباء متواترة عن امتناع نظام عبد الفتاح السيسي حتى الآن عن منح التصريح اللازم لعبور القافلة إلى غزة عبر معبر رفح. 

ويُتوقع أن تصل القافلة إلى القاهرة يوم 13 يونيو/حزيران، ومنها إلى معبر رفح في 15 من الشهر نفسه، لكن عدم صدور إذن رسمي من السلطات المصرية حتى الآن، يعيد إلى الأذهان مشاهد التضييق السابقة على قوافل مماثلة.

ينظر كثيرون إلى هذا التلكؤ باعتباره استمراراً لسياسة مصر الرسمية في عهد السيسي، الذي بات يُتهم علناً بلعب دور “حارس البوابة الجنوبية للاحتلال”، من خلال التنسيق الأمني الصارم، وإغلاق معبر رفح بشكل شبه دائم أمام المساعدات والقوافل التضامنية.

ويتساءل مراقبون: كيف لدولة ترفع شعار دعم القضية الفلسطينية أن تمنع قافلة شعبية من دخول غزة، بينما تفتح أبوابها للتنسيق الاستخباراتي مع تل أبيب وواشنطن؟

سياق دموي.. وتحرك دولي متنامٍ

يأتي هذا التحرك المدني المتصاعد في ظل تصاعد مأساة غزة، حيث يواجه القطاع حصاراً مطبقاً، ومجازر متكررة منذ انطلاق عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. 

ومع استمرار العدوان الإسرائيلي، تتزايد الضغوط على الحكومات العربية، وخاصة مصر، للقيام بدور أكثر فاعلية في وقف المجازر، أو على الأقل تسهيل إيصال الدعم الشعبي لغزة.

وتواكب قافلة الصمود تحركاً موازياً من البحر، تمثله السفينة “مادلين”، التي كانت تقل 12 ناشطاً دولياً، واختطفتها البحرية الإسرائيلية فجر الإثنين قبالة السواحل الدولية.

وتُعد “مادلين” إحدى المبادرات التي يقودها “تحالف أسطول الحرية”، بمشاركة ناشطين من أكثر من 30 دولة، بالتنسيق مع “المسيرة العالمية إلى غزة” وتنسيقية “العمل المشترك من أجل فلسطين” التي تقود أيضاً قافلة الصمود البرية.

تونس تفتح الباب.. فهل تغلقه مصر؟

انطلقت القافلة صباح الإثنين من وسط العاصمة تونس، وتحديداً من شارع محمد الخامس، مروراً بعدة محافظات منها سوسة وصفاقس وقابس ومدنين، في مشهد عكس عمق الحضور الشعبي في دعم غزة.

واستقبل المواطنون في الجنوب التونسي القافلة بحفاوة بالغة، في مشهد غاب عنه التمثيل الرسمي للدولة، لكنه حمل في مضمونه رفضاً جماهيرياً للحصار الإسرائيلي، واحتجاجاً صريحاً على ما يُوصف بـ”تخاذل الحكومات”.

ومع بدء دخول القافلة إلى ليبيا، تزداد الأنظار توجهاً إلى مصر. فهل تفسح القاهرة الطريق أمام قافلة رمزية تحمل في طياتها غضب شعوب مغاربية، أم تصرّ على إغلاق الأبواب في وجه الفلسطينيين ومن يتضامن معهم، كما دأبت طوال السنوات الماضية؟ الإجابة في الأيام القادمة، لكن الثابت أن هذا التحرك أعاد الروح إلى التضامن الشعبي العربي، في وقت بات فيه النظام الرسمي العربي أضعف من أن يقول “لا” للاحتلال.

اقرأ أيضًا : القرصنة تتجدد.. الاحتلال يختطف سفينة “مادلين” أمام أنظار العالم