في تطور خطير يؤكد تصعيد السياسة الإسرائيلية الهادفة إلى تهجير سكان الضفة الغربية قسرًا، كشفت مصادر محلية للجزيرة أن جيش الاحتلال أعلن مساء الاثنين عن مخطط جديد يقضي بهدم نحو 100 منزل في مخيم جنين شمال الضفة، خلال مهلة لا تتجاوز 72 ساعة.

ذلك في وقت يواصل فيه عمليات الاقتحام والاعتقال والهدم في طولكرم ونابلس ومدن وبلدات أخرى، وسط صمت فلسطيني رسمي يرقى إلى حد التواطؤ، يتصدره موقف رئيس السلطة محمود عباس الذي بات صمته أقرب ما يكون إلى الخيانة في عيون قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني.

جريمة هدم جماعي ممنهجة

خطة الاحتلال الجديدة، التي وُزعت خرائطها بالفعل على أهالي مخيم جنين، تمثل امتدادًا لسياسة العقاب الجماعي التي تطال المدنيين، وتكشف عن نوايا مبيتة لهدم المخيم بالكامل، كما حدث في مخيم اليرموك بسوريا أو نهر البارد في لبنان. وفي مارس/آذار الماضي فقط، تم هدم أكثر من 66 منزلاً في المخيم، واليوم يُهدد المخيم مجددًا بفقدان مئة منزل إضافي.

وبحسب إحصائيات غير رسمية، فإن العدوان الإسرائيلي المتواصل منذ أكثر من 5 أشهر خلّف دماراً واسعاً في المخيم، شمل نحو 600 منزل ومنشأة بين هدم جزئي وكلي. ويرى مراقبون أن هذه العمليات تسعى إلى تفريغ المخيم من سكانه، وتهدف إلى تحطيم البنية المجتمعية للمقاومة فيه، خاصة أن جنين تُعد من أبرز بؤر المقاومة المسلحة في الضفة الغربية.

طولكرم ونور شمس.. النموذج يتكرر

الهجمة لا تقتصر على جنين؛ ففي مخيمي طولكرم ونور شمس يتكرر المشهد ذاته. فقد واصلت قوات الاحتلال، ولليوم الرابع على التوالي، هدم عشرات المباني السكنية، خاصة في حارتي البلاونة والعكاشة. وتشير المعطيات إلى أن أكثر من 106 مبانٍ مهددة بالهدم، منها 58 مبنى في مخيم طولكرم فقط، يضم كل منها عدة وحدات سكنية، بالإضافة إلى منشآت تجارية ومدارس ومساجد.

وقد أدى التصعيد إلى تهجير أكثر من 5 آلاف عائلة، أي ما يزيد على 25 ألف شخص، وتدمير ما لا يقل عن 400 منزل كلياً، و2573 منزلاً جزئياً، في مشهد يعيد إلى الأذهان نكبة 1948، لكن هذه المرة تحت أنظار قيادة السلطة الفلسطينية.

اقتحامات متزامنة وقمع ممنهج

إلى جانب سياسة الهدم، تواصل قوات الاحتلال اقتحاماتها العنيفة في مختلف مدن الضفة، كان أبرزها اقتحام بلدة قباطية جنوب جنين باستخدام الجرافات العسكرية، وكذلك مدينة نابلس، حيث فُرض حظر تجول مشدد على البلدة القديمة حتى صباح الأربعاء، وتمركزت القوات في وسط المدينة، مع مداهمات واسعة لمنازل المدنيين.

هذه العمليات المتزامنة لا تأتي من فراغ، بل ضمن استراتيجية إسرائيلية تعتمد على تشتيت بؤر المقاومة، وإنهاك المجتمع الفلسطيني في الضفة، وذلك بالتوازي مع الحرب الشرسة المتواصلة في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، والتي يُعتقد أنها أودت بحياة أكثر من 37 ألف مدني، معظمهم من النساء والأطفال.

خيانة الصمت.. أين عباس؟

في ظل هذا التصعيد المتسارع، يغيب أي تحرك فعلي من السلطة الفلسطينية، بل إن محمود عباس، رئيس السلطة، لم يُصدر حتى الآن أي بيان يدين فيه ما يجري، ولم يُطلب عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن أو الجامعة العربية.

ويرى كثير من الفلسطينيين أن صمت عباس وتماهيه مع رواية الاحتلال، وتنسيقه الأمني المستمر مع الجيش الإسرائيلي، يشكل خيانة صريحة للقضية الوطنية، ويضع علامات استفهام خطيرة حول دور السلطة في المرحلة المقبلة، خصوصًا مع تزايد أصوات الغضب داخل حركة فتح ذاتها، والتي باتت تشعر أن مشروعها السياسي انهار على يد زعيمها.

التطهير العرقي في الضفة.. صامتون وشركاء

كل هذه العمليات – من تهجير جماعي وهدم للبنية التحتية واعتقالات وإعدامات ميدانية – تصب في خانة “التطهير العرقي” الممنهج. فبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، استشهد منذ السابع من أكتوبر أكثر من 974 مواطنًا في الضفة الغربية وحدها، وأصيب نحو 7 آلاف، واعتُقل أكثر من 17 ألفًا.

ومع هذا الواقع الكارثي، تتسابق بعض الدول العربية على التطبيع مع الاحتلال، دون أي اعتبار للمجازر والانتهاكات، وهو ما يعكس حجم الانحدار في الموقف العربي الرسمي، الذي بات يتماهى مع الاحتلال أكثر من وقوفه مع الحق الفلسطيني.

خاتمة: الشعب وحده في الميدان

بينما تتوسع آلة الهدم والتشريد، ويصمت النظام الرسمي، يبقى الشعب الفلسطيني وحده في الميدان، يقاوم بكل الوسائل المتاحة، ويحاول أن يحافظ على ما تبقى من أرض وكرامة وذاكرة. وفي مخيم جنين وطولكرم ونابلس، يُسطّر المقاومون والنساء والشباب ملحمة جديدة من الصمود، رغم أن العدو بات يمتلك كل شيء إلا شرعية البقاء.

اقرأ أيضًا : الحوثي يتحدّى العالم: معركة اليمن من صنعاء إلى غزة… لا تراجع عن مواجهة الاحتلال!