منذ أكثر من عامين، اشتعلت شرارة الحرب في السودان، واندفعت معها موجات بشرية هاربة من نيران القتال بحثًا عن الأمن. حمل الناس ما استطاعوا، وتركوا خلفهم كل شيء تقريبًا: المنازل، المدارس، الذكريات، بل حتى الأمل.

اتجه بعضهم إلى دول الجوار، وإثيوبيا كانت إحدى الوجهات القريبة. لكن اللاجئين الذين قصدوا العاصمة أديس أبابا لم يجدوا فيها إلا مزيدًا من المعاناة، في ظل نظام إداري معقّد، وموارد لا تكفي لسد رمق الجوعى، وأبواب مغلقة في وجه من لا يحمل ورقة أو تصريح إقامة.

في شوارع المدينة، وعلى أطراف الأرصفة، ينام اللاجئون على الأرصفة تحت لوحات إعلانية باهتة أو داخل مبانٍ مهجورة. لا فرص عمل، ولا أوراق رسمية، ولا حماية قانونية. يعيشون بين الخوف من الترحيل، والعجز عن العودة إلى جحيم الوطن. لقد أصبح الشارع عنوانًا دائمًا لحياتهم.

قسوة النزوح والهجرة

الواقع في المخيمات المخصصة للاجئين لا يقل قسوة. فعلى الحدود الغربية لإثيوبيا، تنتشر المخيمات في مناطق يطاردها الخطر: صراعات إثنية، وهجمات من ميليشيات محلية، وعمليات خطف وسرقة وابتزاز.

هذه المآسي دفعت الكثيرين إلى الهروب من تلك المخيمات نحو المدن الكبرى، أملاً في العيش بكرامة. لكن المدينة، رغم اتساعها، لا ترحب بالجميع. القوانين لا ترحم، والتأشيرات باهظة، والغرامات اليومية على الإقامة المنتهية تتراكم كالكوابيس.

اللاجئون الذين لجأوا إلى المدن يحملون معهم عبء البيروقراطية الإثيوبية وتعقيداتها. فهم لا يستطيعون إتمام إجراءات اللجوء إلا في أماكن محددة على الحدود. 

وإذا قرروا استكمال ملفاتهم من أديس أبابا، فإن الأبواب توصد في وجوههم. بعضهم كان يأمل في البقاء مؤقتًا ريثما يحصل على تأشيرة أو استكمال إجراءات لمّ شمل، لكن الوقت يتحول إلى فخ، والتأخير يتحول إلى مأزق قانوني. من دون المال الكافي لتجديد الإقامات، ومع ديون تتراكم، يصبح اللاجئ عالقًا في أرض لا يستطيع مغادرتها ولا الاستقرار فيها.

هذا ما اقترفته يد الإمارات

الإمارات، التي تموّل أطرافًا متنازعة داخل السودان وتستثمر في نزاعات القرن الإفريقي، تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية تجاه أزمة اللاجئين. فالدور الذي تلعبه أبوظبي في تغذية الصراع داخليًا، يقابله تجاهل فاضح لمصير المدنيين الذين يدفعون الثمن. لقد تحولت السياسة الخارجية الإماراتية إلى أداة نفوذ جيوسياسي في الإقليم، لكن من دون أي التزام حقيقي تجاه الكوارث الإنسانية التي تسهم في خلقها.

في المحصلة، أصبح اللاجئ السوداني بين نارين: حرب لا ترحم في وطنه، ولا مبالاة مهينة في المنفى. الشارع بات ملجأه الأخير. لا حماية، لا عمل، ولا أوراق. فقط الخوف والتعب والانتظار. والأنكى من ذلك، أن العالم – بما فيه الدول الغنية المجاورة – يواصل النظر إلى هذه الأزمة كأنها مجرد رقم في تقارير الأمم المتحدة، أو عنوان عابر في نشرات الأخبار.

العدالة لا تقتصر على وقف الحرب، بل تشمل أيضًا حماية من هربوا منها. والكرامة لا تعني مجرد البقاء على قيد الحياة، بل أن يحيا الإنسان في أمان وطمأنينة. المطلوب اليوم ليس فقط زيادة المساعدات، بل تغيير جذري في النظرة إلى هؤلاء اللاجئين. فهم ليسوا عابرين مؤقتين، بل بشر يبحثون عن وطن بديل بعدما التهمت الحرب وطنهم.

وإذا كانت الحكومات عاجزة، فإن المسؤولية تقع أيضًا على عاتق المجتمع المدني، والمنظمات الدولية، والإعلام الحر. آن الأوان لرفع الصوت عاليًا: لا يمكن ترك الناس يموتون في الشوارع، بينما تضيء ناطحات السحاب المجاورة بعروض الضوء والرفاهية.

اللاجئ السوداني لا يحتاج إلى الشفقة، بل إلى العدالة. ويكفيه ألمًا أنه بدأ رحلته هربًا من رصاصة، ليجد نفسه مطاردًا بتأشيرة.

اقرأ أيضًا : أنور قرقاش.. عرّاب التطبيع وغسيل السمعة الإماراتية بالرشاوى والدعاية القذرة