هالة التفوّق الاستخباراتي في الميزان
لطالما روّج الإعلام الإسرائيلي والغربي لصورة جهاز الموساد كقوة استخباراتية أسطورية لا تُقهر، تُنسب إليها عمليات جرئية داخل أكثر الدول عداءً لإسرائيل. برزت هذه الهالة الدعائية مجددًا مع العمليات الأخيرة التي استهدفت العمق الإيراني قبل ساعات من اغتيالات لعلماء وقادة، إلى تفجيرات غامضة طالت منشآت نووية وعسكرية في قلب إيران.
لكن هل تعكس هذه النجاحات عبقرية خارقة للموساد، أم أن وراءها شبكة تعاون دولية وإقليمية واسعة؟
هذا تقرير يسلّط الضوء على الوجه الخفي لتلك العمليات، مبرزًا كيف اعتمدت الاستخبارات الإسرائيلية كليا على حلفاء محليين وإقليميين لتسهيل الاختراقات، بدلًا من أن تكون إنجازًا لجهاز استخباراتي يتصرف بمعزل عن الآخرين.
سنكشف أن اختراقاته الأخيرة ثمرة تحالف دولي وإقليمي معادٍ لإيران أكثر منها نتاج قدرات خارقة منفردة. كما نضع هذه العمليات في سياقها السياسي الأوسع، لنفهم كيف مُنحت إسرائيل هذا الهامش الواسع للعمل داخل إيران، وما الأهداف الكامنة وراء تلك المغامرات الاستخباراتية.
عمليات الموساد داخل إيران: اختراقات عبقرية أم تعاون داخلي مدفوع؟
خلال السنوات القليلة الماضية تصاعدت وتيرة الضربات المنسوبة للموساد في العمق الإيراني بصورة ملحوظة. فمنذ عام 2010 نفّذت إسرائيل عشرات الهجمات داخل إيران استهدفت منشآت نووية وعسكرية حساسة واغتيال شخصيات بارزة ، لكن هذه العمليات تكثّفت بعد عام 2020. ففي يوليو 2020 هزّ انفجار كبير منشأة نطنز النووية موقعًا أضرارًا جسيمة ، تلاه في نوفمبر من نفس العام اغتيال العالم محسن فخري زاده مهندس البرنامج النووي العسكري الإيراني في قلب طهران. أثارت تصفية فخري زاده صدمة في الأوساط الإيرانية وكشفت عن شبكة اختراق إسرائيلية قوية داخل البلاد قادرة على تتبع أهداف عالية الأهمية وتنفيذ عمليات معقدة دون أن تترك أثرًا . ومنذ ذلك الحين تواصلت الهجمات صغيرة وكبيرة بوتيرة منتظمة. فبحسب تقارير غربية، كثيرٌ مما شهدته إيران من حرائق غامضة أو انفجارات في مواقع صناعية وعسكرية في 2021 و2022 كان نتيجة عمليات تخريب أو هجمات سيبرانية إسرائيلية تضاف إلى سجل الحرب الخفية بين البلدين .
ذروة هذه العمليات جاءت في عام 2023 وما تلاه. في 28 يناير 2023 ضربت انفجارات بواسطة طائرات مسيّرة انتحارية منشأة عسكرية حساسة في محافظة أصفهان وسط إيران، يُعتقد أنها مصنع أسلحة متطورة، وأكدت مصادر استخباراتية غربية ضلوع جهاز الموساد مباشرة في التخطيط والتنفيذ . كذلك، شهدت طهران ومدن أخرى سلسلة حوادث اغتيال واستهداف لكوادر من الحرس الثوري وعلماء بمجالات الصواريخ والطيران. ففي مايو 2022 – على أعتاب 2023 – اغتيل العقيد صياد خدائي أحد ضباط فيلق القدس أمام منزله بطهران برصاص مهاجمين على دراجة نارية، وأفادت صحيفة نيويورك تايمز أن إسرائيل أبلغت واشنطن بمسؤوليتها عن هذه العملية . ولم تمض أسابيع حتى توفي علماء إيرانيون آخرون في ظروف مريبة؛ أحدهم مهندس طيران قضى بمادة سامة دُسّت له في الطعام – وهي أحداث أشارت أصابع الاتهام فيها إلى إسرائيل أيضًا.
لكن تفكيك المشهد يُظهر أن هذه الخروقات المذهلة أمنيًا لم تكن نتاج قدرات سحرية من عملاء إسرائيليين تسللوا فرديًا عبر الحدود؛ بل اعتمدت بشكل كبير على بنية تحتية من العملاء المحليين والمتعاونين في الداخل الإيراني والذين هم مستعدون للتعاون مع كل من يدفع.
بعبارة أخرى، إن نجاح الموساد في اصطياد أهدافه الصعبة داخل إيران جاء نتيجة استثمار فجوات داخلية واستغلال وكلاء إيرانيين على الأرض أكثر منه نتيجة براعة تجسس منفرد، حتى أن أغلب هؤلاء العملاء هم مرتزقة جاهزون، وليسوا أفراد تم استقطابهم وإقناعهم أو تجنيدهم.
شبكة العملاء الداخليين: مجاهدو خلق والانفصاليون ورأس الحربة
لعبت الجماعات الإيرانية المعارضة دورًا محوريًا كأذرع محلية سهّلت عمليات الموساد خلال السنوات الماضية. وأبرز هذه الجماعات منظمة مجاهدي خلق (MEK) التي تُعد أقدم حركة معارضة مسلّحة للنظام القائم. فعلى مدى العقد الماضي، تكاثرت التقارير حول تعاون وثيق بين الموساد ومجاهدي خلق في تنفيذ عمليات اغتيال وتخريب ضد البرنامج النووي الإيراني. وقد كشفت شبكة NBC News الأميركية نقلاً عن مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية أن إسرائيل قامت فعلًا بتدريب وتمويل عناصر من مجاهدي خلق للقيام باغتيال علماء الذرة الإيرانيين .
أكدت هذه المعلومات شكوكًا راودت طهران طويلًا بأن من يقف خلف سلسلة الاغتيالات الغامضة لخبرائها النوويين ليس فقط العملاء الإسرائيليين بل أيضًا عناصر إيرانية معارضة تعمل واجهةً للموساد . فالموساد وجد في هذه المنظمة المعادية للنظام شريكًا جاهزًا يوفر له العنصر البشري المحلي القادر على الحركة والتخفي في المجتمع الإيراني دون إثارة الشبهات التي قد يواجهها عملاء إسرائيليون أجانب وبالتالي فهو لم يبذل مجهودا استثنائيا إنما استغل فرصة جاهزة.
وعلى ذات الطريقة إلى جانب مجاهدي خلق، استعان الموساد أيضًا بجماعات انفصالية إثنية ومذهبية تناصب الجمهورية الإسلامية العداء. ففي إقليم سيستان-بلوشستان جنوب شرقي إيران، تنشط تنظيمات بلوشية مسلحة مثل حركة جند الله التي خاضت مواجهات دامية مع طهران. وقد تجرأ الموساد حتى على انتحال هوية CIA الأمريكية لتجنيد عناصر من جند الله لتنفيذ عمليات داخل إيران، وفق ما كشفته مجلة Foreign Policy. إذ أظهرت مذكرات للاستخبارات الأمريكية تعود لسنوات 2007-2008 أن عملاء إسرائيليين انتحلوا صفة ضباط من الـCIA واستخدموا جوازات أمريكية لاستقطاب مقاتلي جند الله بهدف إشعال اضطرابات في إيران .
أما في الشمال الغربي الإيراني، فتبرز الحركات الكردية المعارضة التي تقاتل النظام منذ عقود، مثل حزب كومله والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. هذه التنظيمات اتخذت من إقليم كردستان العراق ملاذًا قريبًا من الحدود، ويبدو أنها لم تسلم من محاولات التجنيد الإسرائيلي.
خلاصة القول، إن موساد لم يكن ليخترق العمق الإيراني بهذه السهولة لولا اعتماده على واجهات إيرانية: عناصر محلية مناوئة لنظام الجمهورية الإسلامية، مستعدة بحافز المال أو الأيديولوجيا للتآمر مع “العدو الصهيوني” ضد بلدها. هؤلاء وفروا للموساد العيون والآذان على الأرض، والمخازن الآمنة للمتفجرات، والدراجات النارية لتنفيذ الاغتيالات، وحتى التغطية الإعلامية أحيانًا بتبني بعض العمليات لتضليل طهران. وقد اعترف ضمناً أحد ضباط الاستخبارات الإسرائيلية السابقين بأن كثيرًا من العمليات نُفذت بأيادٍ غير إسرائيلية بالكامل، قاصدًا بذلك الدور الخفي لهؤلاء العملاء. وهكذا تتفكك أسطورة الموساد كلما عرفنا تفاصيل هذه الشراكات المحلية: فنجاحاته لم تكن ساحرًا يتسلل منفردًا، بل عرّابًا يدير جوقة من العملاء الداخليين الجاهزين لخدمة أهدافه.