تعيش الأسواق العالمية هذه الأيام حالة من الارتباك الحذر، تحت وطأة التصعيد العسكري المتصاعد بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، والذي بات يهدد بإشعال مواجهة إقليمية واسعة، ليس فقط في الميدان العسكري، بل في قلب حركة التجارة والطاقة والمال حول العالم.

ورغم أن الأسواق استوعبت أولى الصدمات في بداية الأسبوع، إلا أن القلق من انزلاق النزاع إلى مواجهة بحرية في الخليج العربي، أو استهداف منشآت الطاقة الحيوية في إيران، لا يزال يُلقي بظلاله على كل المؤشرات المالية، من الذهب إلى النفط، ومن الأسهم إلى العملات.

 النفط: تماسك محفوف بالخطر

بعد قفزة قوية تجاوزت 7% يوم الجمعة الماضي، عادت أسعار النفط إلى التراجع الطفيف يوم الاثنين، مع انخفاض خام برنت بنحو 0.8% ليستقر عند 73.65 دولارًا، بينما تراجع خام غرب تكساس بنسبة 0.7%.
لكن هذا التراجع لا يعكس اطمئنان الأسواق بقدر ما يُجسد حذرًا مشروطًا، خاصة مع بقاء مضيق هرمز في مرمى الخطر، وهو الممر الذي يمر عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم.

أي تهديد فعلي لحركة الشحن أو الملاحة في الخليج قد يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة، خاصة إذا ما اتخذت إيران قرارًا بإغلاق المضيق أو مهاجمة ناقلات، وهو السيناريو الذي تتجنبه الأسواق حتى اللحظة، لكنه يبقى حاضرًا في خلفية كل التداولات.

 الذهب: يفقد بريقه رغم تصاعد التوتر

رغم كونه الملاذ الآمن التقليدي في أوقات الأزمات، شهد الذهب تراجعًا بنسبة 0.5% خلال تعاملات الاثنين، مسجلًا 3414.32 دولارًا للأوقية، وذلك بعد موجة صعود قوية اقترب خلالها من أعلى مستوياته في شهرين.

ويعود هذا التراجع إلى عمليات جني أرباح من قبل المستثمرين، فضلًا عن الترقب لقرارات البنوك المركزية، وخاصة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي قد يُبقي على أسعار الفائدة دون تغيير، ما قد يقلل من جاذبية الذهب.

لكن محللين يتوقعون موجة جديدة من الصعود في حال استمر التصعيد، مع تجاوز مستوى المقاومة عند 3500 دولار، خاصة إذا طالت المواجهة منشآت نووية أو بحرية حساسة.

 الأسهم: انتعاش هش ومحدود

شهدت الأسواق الأوروبية انتعاشًا طفيفًا، حيث ارتفع مؤشر “ستوكس 600” بنسبة 0.2%، مدعومًا بنتائج شركات معينة، أبرزها “كيرينغ” المالكة لعلامة “غوتشي”، التي قفز سهمها 7.2%.
لكن التصعيد العسكري حدّ من مكاسب الأسواق، وأبقى المستثمرين في حالة ترقب مشوب بالقلق، خصوصًا مع استمرار تبادل الضربات بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، وتزايد المخاوف من توسع الصراع ليشمل ممرات الطاقة ومواقع حساسة في الخليج.

 الدولار والعملات: استقرار مؤقت قبل العاصفة؟

حافظ الدولار على استقراره النسبي، مدعومًا بمكانته كعملة ملاذ في الأزمات، لكن التحركات الأخيرة لم تؤكد توجهًا واضحًا، خاصة في ظل ترقب قرارات الفيدرالي الأميركي، وتوقعات ببدء دورة خفض للفائدة في الأشهر القادمة.

وقال محللون إن الدولار سيكون تحت اختبار حقيقي إذا ما تصاعدت الأزمة العسكرية إلى حدود تهدد الاقتصاد العالمي أو تفرض عقوبات جديدة على إيران.

 صدمات قادمة في الطريق؟

  • الضربات الإسرائيلية لم تستهدف حتى الآن منشآت شحن أو إنتاج حيوية في إيران، لكن حال حدوث ذلك، قد نشهد قفزات نفطية سريعة وتهاويًا حادًا في الأسهم الآسيوية والأوروبية.

  • الأسواق تنتظر إشارات من طهران بشأن ما إذا كانت سترد بعمل عسكري بحري أو بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل مصالح إسرائيلية أو أميركية في الخليج.

  • التصعيد السياسي سيزيد من هشاشة الأسواق الناشئة، وقد يدفع رؤوس الأموال للتحول نحو الأصول الآمنة مجددًا.

الأسواق العالمية تعيش لحظة توازن دقيقة على حافة هاوية جيوسياسية. ورغم محاولات التعافي والتهدئة في المؤشرات، إلا أن أي صاروخ جديد في السماء أو صمت مريب في مضيق هرمز، كفيل بأن يُحوّل هذه الهدنة المالية إلى عاصفة اقتصادية عالمية.

في ظل عالم يقف على صفيح ساخن… المال لم يعد آمنًا كما كان، والذهب لم يعد ملاذًا وحده.

اقرأ أيضا: فقاعة دبي العقارية! فيتش تدق ناقوس الخطر.. توقعات بانخفاض يفوق 10% في أسعار العقارات وتحذيرات من تصحيح قاسٍ يهدد اقتصاد الإمارة