في تطور لافت يعكس تصاعد الغضب الأوروبي من ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، أعلن وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أن بلاده ستتقدم بطلب رسمي إلى الاتحاد الأوروبي لحظر تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وتعليق اتفاقية التجارة المبرمة بين الطرفين.

ويأتي هذا الموقف الإسباني في وقت تتعالى فيه الأصوات الحقوقية والدولية التي تحذر من التواطؤ الأوروبي الصامت مع جرائم الاحتلال، وتطالب بخطوات ملموسة لمحاسبة إسرائيل ووقف الحرب التي حصدت عشرات آلاف الأرواح في غزة.

مدريد تتقدم الصفوف: لا للسلاح.. لا للتطبيع التجاري

في تصريحات حاسمة نقلتها وكالة “رويترز”، قال ألباريس: “سأطلب من الاتحاد الأوروبي الموافقة على التعليق الفوري لاتفاقية التجارة مع إسرائيل”. وأضاف: “سأطلب من وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي اليوم أن يقولوا لا للحرب ونعم للدبلوماسية”. ويعكس هذا التصريح تحولا جوهريًا في الموقف الرسمي الإسباني، بعدما ظلت أغلب العواصم الأوروبية تكتفي بالتعبير عن “القلق” دون اتخاذ إجراءات عملية.

وتأتي تصريحات ألباريس قبيل انعقاد اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو، والمخصص لتقييم التزام إسرائيل ببنود اتفاقية الشراكة مع الاتحاد، والتي تُعد الوثيقة الأساسية التي تنظم العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الطرفين. وتضع المادة الثانية من الاتفاقية “احترام حقوق الإنسان” كشرط أساسي لاستمرارها، وهو ما لم تلتزم به إسرائيل، كما تؤكد تقارير المنظمات الحقوقية الدولية.

“هيومن رايتس ووتش” و110 منظمات: كفى تواطؤًا

بالتزامن مع الموقف الإسباني، طالبت أكثر من 110 منظمات حقوقية ونقابية، أبرزها “هيومن رايتس ووتش”، الاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف حازم وتعليق الاتفاقية فورًا. وفي بيان مشترك، أكدت هذه المنظمات أن استمرار العلاقات التجارية مع إسرائيل، رغم تجاوزاتها المتكررة، يمثل خيانة صريحة للقيم الأوروبية المعلنة.

وقال كلاوديو فرانكافيلا، مدير مكتب الاتحاد الأوروبي بالإنابة في “هيومن رايتس ووتش”: “على وزراء الاتحاد ألا يسمحوا للأحداث الإقليمية بصرف الأنظار عن الجرائم المستمرة ضد الفلسطينيين. عليهم أن يتحركوا الآن لتعليق الشراكة التجارية، وإلا فهم يخاطرون بالتواطؤ”. وأكد البيان أن عمليات الاحتلال في غزة لا تزال مستمرة، متجاهلة أوامر صادرة عن محكمة العدل الدولية، دعت بوضوح إلى حماية المدنيين ومنع التحريض على الإبادة الجماعية وضمان دخول المساعدات.

ويشكل هذا التصعيد الحقوقي اختبارًا صارخًا لمصداقية الاتحاد الأوروبي، الذي طالما تباهى بتمسكه بالقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان، لكن مواقفه الفعلية ظلت، في حالات عديدة، رهينة للاعتبارات السياسية والضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

اتفاقية التجارة: بند حقوق الإنسان المنتهك

تتأسس اتفاقية الشراكة الأوروبية-الإسرائيلية على مجموعة من المبادئ، على رأسها الالتزام بحقوق الإنسان والديمقراطية. لكن الواقع الميداني، كما تؤكد تقارير الأمم المتحدة و”هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، يظهر انتهاكًا ممنهجًا لهذا البند، دون أي رد فعل جاد من الاتحاد الأوروبي. وبينما تواصل إسرائيل سياسات العقاب الجماعي، وعمليات القصف العشوائي، والتجويع المتعمد، لم يُفعّل حتى اليوم البند الذي يتيح تعليق الاتفاقية.

ومن الناحية القانونية، فإن الدول الأوروبية الموقعة على اتفاقية منع الإبادة الجماعية ملزمة باستخدام كل الوسائل المتاحة لمنع وقوع الإبادة، حتى دون صدور حكم نهائي من المحكمة الدولية، وهو ما يجعل الاستمرار في تصدير السلاح أو فتح الأسواق لإسرائيل مخالفة قانونية صريحة.

جنون الاحتلال.. ومذكرات توقيف دولية

تصريحات ألباريس تأتي أيضًا بعد أيام من صدور مذكرات توقيف عن المحكمة الجنائية الدولية بحق كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامهما بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة. وتشير مصادر مطلعة إلى أن الاتحاد الأوروبي، رغم عدم انضمام بعض أعضائه للمحكمة، إلا أنه مطالب باحترام قراراتها، خاصة أن عشرات الدول الأوروبية من بين الموقعين على نظام روما الأساسي.

كما أن هذه الخطوة القضائية تعمق عزلة الاحتلال على الساحة الدولية، حيث بات يُنظر إلى قيادته السياسية والعسكرية باعتبارها مسؤولة عن فظائع ترقى لمستوى الإبادة الجماعية، وفق تعبير محكمة العدل الدولية في لاهاي.

أوروبا بين المبادئ والمصالح: هل تنتصر الأخلاق على التطبيع؟

بات واضحًا أن الاحتلال الإسرائيلي، بعد عقود من الدعم غير المشروط من الغرب، يواجه اليوم واقعًا مختلفًا: عزلة دولية متزايدة، احتجاجات شعبية أوروبية غير مسبوقة، ومطالبات جادة بوقف الدعم العسكري والاقتصادي. ومع ذلك، فإن قدرة الاتحاد الأوروبي على اتخاذ خطوات حاسمة ستظل رهينة لصراع داخلي بين من يريد الحفاظ على المصالح الاستراتيجية وبين من يصرّ على احترام المبادئ.

وفي هذا السياق، يبرز الموقف الإسباني كصرخة أخلاقية في وجه النفاق الغربي، ومحاولة لإعادة التوازن إلى علاقة غير متكافئة طالما منحت الاحتلال حصانة من القانون والمحاسبة. فهل يتلقف الاتحاد الأوروبي هذه الفرصة لإثبات التزامه الحقيقي بحقوق الإنسان؟ أم أن لغة المصالح ستستمر في إخماد أي صوت أوروبي مستقل؟

الاحتلال المنبوذ عالميًا.. كراهية تتسع وعزلة تتعمق

منذ بداية العدوان على غزة، تشهد إسرائيل تصاعدًا في موجات الغضب الشعبي والإعلامي والدبلوماسي في عواصم العالم، من أمريكا اللاتينية إلى أوروبا وآسيا. لم تعد جرائم الاحتلال تُرى كجزء من “نزاع معقد”، بل أصبحت تُدان بشكل مباشر باعتبارها حملة تدمير جماعي ضد المدنيين.

إن الصورة التي طالما حاولت إسرائيل ترسيخها كـ”دولة محاصرة تدافع عن نفسها” تبددت تمامًا، ليحل محلها وعي عالمي جديد، يرى في الاحتلال مشروعًا استيطانيًا توسعيًا بغيضًا، لا يختلف كثيرًا عن نماذج الفصل العنصري في جنوب إفريقيا سابقًا. وما يجري اليوم ليس مجرد تحول سياسي عابر، بل تراكم تاريخي يقود إلى لحظة الحقيقة: نهاية شرعية الاحتلال في ضمير العالم.

خاتمة:
الكرة الآن في ملعب الاتحاد الأوروبي. فإما أن يثبت جديته في التزامه بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، عبر اتخاذ خطوات واضحة مثل تعليق اتفاقية التجارة ووقف تصدير السلاح، أو يستمر في تردده المعيب، ويفقد ما تبقى من مصداقيته الأخلاقية. أما الشعوب، فقد قالت كلمتها: لا للسلاح، لا للتطبيع، لا للاحتلال.

اقرأ أيضًا : المنطقة في خطر.. انبعاث حراري في فوردو بعد ضربة أمريكية