في بلد يفاخر بتعدده الثقافي والديني، عادت العنصرية لتطلّ برأسها القبيح، وهذه المرة من بوابة الفن والثقافة. 

فقد فجّرت المخرجة اللبنانية المعروفة لمى الأمين موجة غضب واسعة، بعد كشفها عن تعرضها لإهانة عنصرية فاضحة في مطار رفيق الحريري الدولي، حين نُعِتت بـ”الإثيوبية” من قبل أحد عناصر الأمن بسبب لون بشرتها السمراء.

الواقعة أثارت صدمة في الأوساط الفنية والحقوقية، كون الضحية ليست عاملة أجنبية مغيبة عن الأضواء، بل مخرجة وفنانة مرموقة ذات حضور دولي. 

غير أن الخلفيات التي تقف وراء الحادثة كشفت مجدداً عن أزمة بنيوية في لبنان، تتعلق بالعنصرية الممنهجة والصمت المؤسسي حيالها، وهي عنصرية لم يسلم منها حتى اللبنانيون ذوو البشرة السمراء، أو القادمون من خلفيات إثنية مغايرة للنموذج “المهيمن” اجتماعياً.

صدمة في مطار العاصمة: “يا إثيوبية.. طلعي برّا الطابور”

في منشور مؤلم على منصة إنستغرام، شرحت لمى الأمين تفاصيل الواقعة، التي بدأت أثناء وقوفها في طابور الجوازات في مطار بيروت. فاجأها أحد عناصر الأمن وهو يصرخ بها بلهجة عدائية: “يا إثيوبية، طلعي برّا الطابور”، دون أي تحقق من جنسيتها أو سبب وجودها. لم تكن الواقعة الأولى، كما تؤكد الأمين، لكنها كانت الأكثر إيلاماً، لأنها وقعت في مكان يُفترض أن يمثل واجهة الدولة، وليس ساحة لإهانة مواطنيها.

ردّت الأمين بكلمات قوية: “مش كل اللبنانيين لازم يكونوا بيض!”، لتؤكد على حقها في الانتماء الكامل إلى هوية لبنانية متعددة، لا تختزلها لون بشرة أو خلفية عائلية.

هذه العبارة البسيطة، المفعمة بالكرامة، تحولت إلى شعار تردد لاحقاً على ألسنة المتضامنين معها، الذين وصفوا ما جرى بأنه انتهاك صارخ للحقوق الإنسانية، في بلد يعاني من هشاشة مؤسساتية وتفكك في منظومة العدالة الاجتماعية.

رد رئاسي سريع.. هل يكفي الاعتذار وحده؟

في تطور لافت، تلقّت لمى الأمين اتصالاً هاتفياً من الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون، عبّر فيه عن “أسفه العميق” لما جرى، مؤكداً أن “لا أحد يجب أن يتعرض لأي شكل من الإهانة”. وأشار الرئيس إلى أن “إجراءات إضافية ستُتخذ على مستوى المؤسسات الحكومية لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث”.

بالنسبة للأمين، كان الاتصال “خطوة في الاتجاه الصحيح”، خصوصاً أنه حمل اعترافاً علنياً بأن هناك تقصيراً مؤسساتياً يجب معالجته، ليس فقط من أجلها، بل من أجل العديد من المواطنين والمقيمين الذين يتعرضون يومياً لانتهاكات صامتة.

غير أن تساؤلات عديدة أُثيرت عقب هذا الاتصال، أهمها: هل يكفي الاعتذار الرئاسي لمعالجة بنية عنصرية ترسخت في مؤسسات الدولة؟ وهل ستكون هذه الحادثة، بمفاعيلها السياسية والإعلامية، مدخلاً حقيقياً إلى سنّ قوانين لمكافحة التمييز والعنصرية؟ أم أن الحادثة ستمر كما مرت عشرات من غيرها؟

حتى اللحظة، لم تُعلن الدولة عن آلية مساءلة شفافة، واكتفى الأمن العام بإصدار بيان مقتضب قال فيه إنه اتخذ “التدابير المسلكية المناسبة”، دون الإفصاح عن طبيعة العقوبة، ما أثار انتقادات حقوقية واسعة، اعتبرت أن الدولة تمارس سياسة التعتيم والتطويق بدل الاعتراف والمحاسبة.

عنصرية ممنهجة أم حالة فردية؟ أزمة تعكس واقعاً أوسع

حادثة المخرجة لمى الأمين أعادت إلى الواجهة التمييز العنصري المتجذر في المجتمع اللبناني، والذي طال لعقود العمال الأجانب واللاجئين والنازحين، ولا سيما النازحين السوريين.

فقد تعرض هؤلاء خلال السنوات الأخيرة لحملات تضييق ممنهجة، تشمل الطرد من البيوت، والتحريض الإعلامي، والاعتداءات الجسدية، إلى حد أن منظمات دولية حذرت من أن لبنان أصبح “بيئة غير آمنة” لهم.

اللافت أن التمييز لا يُمارَس فقط على يد المواطنين، بل أيضاً من قبل موظفين رسميين وأجهزة أمنية، ما يجعل الدولة طرفاً مباشراً في ممارسات العنصرية، حتى وإن لم تكن بسياساتها المعلنة. فالقوانين اللبنانية، رغم احتوائها على بعض المواد العامة بشأن الكرامة والمساواة، تفتقر إلى نصوص واضحة تجرّم التمييز العرقي أو اللغوي أو الإثني، ما يسمح باستمرار هذه الممارسات دون ردع قانوني حقيقي.

وفي هذا السياق، طالبت الأمين بسنّ قانون واضح لمكافحة العنصرية، وإصلاح نظام الكفالة الذي يقيّد العمال الأجانب بعقود استعبادية، ويفتح الباب لسوء المعاملة والانتهاك، وهو النظام الذي يتعارض بشكل مباشر مع حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية.

هل تكون لمى الأمين صوت التغيير؟

تأمل المخرجة لمى الأمين أن تكون قصتها بداية لتحوّل حقيقي، حيث يتحول الغضب إلى حركة، والصمت إلى قانون، والعار إلى وعي. تقول: “أنا فخورة أنني رفعت صوتي، وأن صوتي وصل، ليس فقط عني، بل عن كثيرين مرّوا بما يشبه ما عشته”.

الحادثة كشفت عن وجعٍ لبناني مزدوج: دولة تُهمل إصلاح مؤسساتها، ومجتمع يهرب من مواجهة شياطينه. لكن في المقابل، شكّلت القصة فرصة للبدء في تفكيك نظام عنصري صامت، تسلل إلى المطارات والمخافر والجامعات والمقاهي.

فهل تمسك الدولة اللبنانية بالخيط الذي قدمته لها لمى الأمين وتبدأ فعلاً في تطهير مؤسساتها من العنصرية؟ أم أن الاعتذار سينضم إلى أرشيف طويل من ردود الأفعال المنسية؟

اقرأ أيضًا : بريطانيا تغذّي آلة الحرب في غزة وتقمع أصوات العدالة