في تطور لافت يكشف عن تصاعد التوترات الإقليمية وفشل “الردع الإسرائيلي”، أطلقت جماعة “أنصار الله” الحوثية في اليمن صاروخين باليستيين نحو الأراضي المحتلة، وذلك بعد ساعات فقط من غارات جوية إسرائيلية عنيفة استهدفت موانئ ومنشآت حيوية في مدينة الحديدة.
الحدث يسلط الضوء على تغير قواعد الاشتباك في الإقليم، ويؤكد أن ساحة المواجهة مع الاحتلال لم تعد مقتصرة على غزة أو الجنوب اللبناني، بل امتدت إلى عمق الجزيرة العربية، ما يعكس هشاشة العمق الأمني الإسرائيلي أمام تحالفات المقاومة.
![]()
غارات إسرائيلية على الحديدة: محاولة فاشلة لإخماد النار
بدأت التصعيدات الحالية بعد أن أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن شن ما سماها عملية “الراية السوداء”، حيث قصفت طائراته عدة أهداف في مدينة الحديدة وموانئ رأس عيسى والصليف، بالإضافة إلى محطة الكهرباء في رأس الكثيب، بزعم أنها تُستخدم “لأغراض إرهابية” من قبل الحوثيين، في إشارة إلى السفينة “غالاكسي ليدر” التي اختطفها الحوثيون عام 2023.
ورغم إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن “الرد سيكون موجعا”، فإن المعطيات الميدانية كشفت أن الغارات لم تمنع إطلاق الصواريخ من اليمن، بل جاءت بنتائج عكسية، حيث رد الحوثيون بسرعة وبصورة مباشرة بعد ساعات قليلة فقط، عبر إطلاق صاروخين باليستيين سقطا في مناطق مختلفة داخل الأراضي المحتلة، ما تسبب في إطلاق صفارات الإنذار في عدة مستوطنات إسرائيلية.
الهجوم الإسرائيلي، الذي وصفته وسائل إعلام الاحتلال بأنه “الأعنف” منذ بدء التصعيد مع اليمن، لم يسفر عن تحقيق أي من أهدافه المعلنة، لا من ناحية شل قدرات الحوثيين، ولا من ناحية فرض معادلة ردع جديدة، بل أسفر فقط عن تصعيد أكبر، وتحرك جديد للجبهة اليمنية باتجاه العمق الإسرائيلي.
الحوثيون: غزة ليست وحدها.. والرد مستمر
في تعليقه على الغارات الإسرائيلية، قال نصر الدين عامر، القيادي في جماعة أنصار الله: “على الصهاينة أن يتوجهوا إلى الملاجئ وترك النوم، فمن يعتدي على غزة واليمن لا يجب أن ينام بهدوء”. هذا التصريح يعكس بوضوح أن جماعة الحوثي باتت تعتبر نفسها طرفًا في محور المقاومة، وفاعلاً رئيسيًا في معادلة الردع الإقليمية.
وأكد عامر أن “العدوان الصهيوني لم ولن يستطيع إيقاف الضربات اليمنية”، مشيرًا إلى أن “السفن لن تمر من مناطق عمليات قواتنا المسلحة”. كما جدد التأكيد على أن دعم اليمن لغزة لن يتوقف إلا بوقف العدوان ورفع الحصار، وهو ما يعكس مدى الارتباط العسكري والسياسي بين جبهات المقاومة في غزة وبيروت وصنعاء.
وبينما تواصل إسرائيل تبني سياسة “الهجوم الاستباقي” في محاولة لردع اليمنيين، يبدو أن كل عملية جديدة تفتح الباب أمام تصعيد أوسع، وتكشف محدودية قدرة الاحتلال على تأمين عمقه الاستراتيجي، خصوصًا أن الجبهة اليمنية باتت تتصرف بثقة مفرطة وجرأة غير مسبوقة، مستندة إلى ترسانة صاروخية وطائرات مسيّرة أثبتت فاعليتها في الأشهر الأخيرة.
هشاشة “الردع” وعمق الأزمة الإسرائيلية
المشهد الذي يتكشف اليوم يعيد للأذهان التساؤلات القديمة حول مدى قدرة إسرائيل على خوض حرب متعددة الجبهات، خصوصًا في ظل فشل واضح في غزة، وتورط طويل في الجنوب اللبناني، ومعركة استنزاف في الضفة، وتهديدات يومية من الحوثيين في البحر الأحمر، حيث باتت حركة الملاحة معرضة للاستهداف في أي لحظة.
الغارات على الحديدة، والتي شنتها إسرائيل كجزء من عملية دعائية تستهدف “استعادة الهيبة”، تحوّلت سريعًا إلى دليل إضافي على تآكل صورة “الجيش الذي لا يُقهر”. فمجرد الرد السريع من اليمن، وإطلاق صواريخ أصابت العمق الإسرائيلي وأحدثت حالة من الذعر، أظهر مدى هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية التي تتعرض للضرب من كل اتجاه.
ولعل أخطر ما في المشهد الحالي، هو أن الحوثيين يوجهون ضرباتهم في لحظة حساسة تعيش فيها حكومة نتنياهو مأزقًا داخليًا غير مسبوق، وسط احتجاجات على الأداء السياسي والعسكري، وفشل في إنهاء المعركة في غزة بعد أكثر من تسعة أشهر من الحرب، ما يجعل خيارات تل أبيب ضيقة جدًا في كيفية التعامل مع الجبهة اليمنية.
خاتمة: مرحلة ما بعد الردع.. وصعود اليمن كفاعل إقليمي
بات واضحًا أن إسرائيل تجاوزت مرحلة “الردع الفعال” إلى “الدفاع المرتبك”، إذ لم تعد قادرة على احتواء تصعيد محدود دون أن تتعرض للضرب في عمقها. كما أن جبهة اليمن، التي كانت حتى وقت قريب تُعامل كمجرد “حالة عرضية” في الصراع، تحوّلت إلى لاعب رئيسي يُحدث تأثيرًا حقيقيًا في معادلة الحرب الإقليمية، لا سيما مع قدرته على شل حركة السفن، وترويع المستوطنين بصواريخ طويلة المدى.
وإذا استمرت تل أبيب في التعامل مع الجبهة اليمنية بأسلوب القصف العقابي دون امتلاك إستراتيجية طويلة المدى، فإنها قد تجد نفسها أمام جبهة جديدة تفرض عليها معادلة استنزاف طويلة، في وقت تعاني فيه من ضعف داخلي غير مسبوق، وتراجع التأييد الدولي لسياستها العسكرية.
الحوثيون اليوم لا يكتفون بالبيانات والتهديدات، بل ينفذون، ويوسعون الجبهات، ويضعون الاحتلال أمام خيارات كلها خاسرة. والمحصلة أن “الردع” الإسرائيلي، الذي طالما تغنت به المؤسسة العسكرية، لم يعد سوى أسطورة تتهاوى أمام واقع متغير تتصدره قوى غير تقليدية، من بينها جماعة أنصار الله في اليمن.
اقرأ أيضًا : نتنياهو في واشنطن.. هل تُرغمه صلابة المقاومة على قبول هدنة غزة؟