بينما ينشغل العالم بالحسابات الجيوسياسية وموازنات القوة، يواجه آلاف الأطفال في دارفور خطر الموت جوعًا. ففي تحذير شديد اللهجة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الجمعة، عن ارتفاع بنسبة 46% في أعداد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد في ولايات دارفور الخمس، خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري. أكثر من 40 ألف طفل تلقوا علاجًا في شمال دارفور وحدها، وهو رقم صادم يعكس عمق الكارثة، لا سيما وأنه ضعف عدد الحالات المسجلة في الفترة نفسها من العام الماضي. وفي قلب هذه المأساة، تقف حرب مدمرة يتغذى أوارها على دعم خارجي، أبرز مموليه نظام محمد بن زايد في الإمارات، المتهم بتسليح مليشيات “الدعم السريع” التي تحاصر المدن وتنهب المساعدات وتُجَوِّع الأطفال.

الأرقام تفضح الكارثة.. مستويات الطوارئ تخطّاها الجوع
تشير بيانات اليونيسيف إلى أن مستويات سوء التغذية الحاد في غالبية مناطق دارفور تجاوزت عتبة الطوارئ المحددة من منظمة الصحة العالمية. وهو مؤشر على أن الوضع لم يعد أزمة صحية عابرة، بل بات يرقى إلى كارثة إنسانية متكاملة الأركان.
وفي ولايات مثل شمال كردفان والخرطوم والجزيرة، سُجّل تصاعد خطير في نسب سوء التغذية الحاد الوخيم، حيث بلغت نسبة الزيادة 70% و174% و683% على التوالي، وهي أرقام تكشف عن انهيار كامل للمنظومة الصحية والغذائية في السودان. ومع تفشي أوبئة مثل الكوليرا والحصبة، وغياب الخدمات الصحية، يجد الأطفال أنفسهم محاصرين بثالوث الموت: الحرب، الجوع، والمرض.
ويقول ممثل اليونيسيف في السودان، شيلدون يت، إن هذه الأرقام “مرتفعة بشكل خطير حتى قبل أن يبلغ موسم الجفاف ذروته”، مؤكدا أن حياة الأطفال “تعتمد الآن على ما إذا كان العالم سيتحرك أم سيصم آذانه”.
دور الإمارات في تأجيج الحرب وتجويع الأطفال
ورغم أن البيان الأممي لم يُشر إلى الفاعلين السياسيين والعسكريين بشكل مباشر، إلا أن قراءة المشهد السوداني خلال الأشهر الماضية تكشف أن الحرب المدمرة التي دفعت مئات الآلاف إلى المجاعة، ليست نتاج نزاع داخلي فقط، بل ثمرة دعم خارجي، في مقدمته الإمارات.
تقارير أممية وصحفية عديدة، بينها تقارير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” وصحيفة “فايننشال تايمز”، كشفت أن أبو ظبي كانت الراعي الأساسي لتسليح قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، والتي لعبت دورًا محوريًا في تدمير البنية التحتية الصحية وعرقلة وصول المساعدات. وبحسب مصادر ميدانية، فإن الدعم السريع تحاصر أحياء كاملة في مدينة الفاشر، وتمنع قوافل الإغاثة من الوصول، وتنهب الشاحنات القادمة من المنظمات الإنسانية، بينما تقصف المستشفيات وتستخدم الجوع كسلاح حرب.
وتمثل الإمارات في هذا السياق نموذجًا لانتهازية الأنظمة الاستبدادية التي تستخدم نفوذها الاقتصادي لتوسيع مصالحها الجيوسياسية على حساب دماء الأبرياء، حيث استثمرت أبو ظبي في تسليح المليشيات عبر صفقات سلاح غامضة ونقل مرتزقة، وأقامت قواعد لوجستية في ليبيا وتشاد لخدمة المشروع نفسه: تفكيك السودان وإحكام قبضتها على موارده وأسواقه.
نهاية مسدودة ما لم يتحرك العالم
ورغم التحذيرات المتكررة، لا يزال المجتمع الدولي عاجزًا عن كبح جماح الدول المتورطة في تغذية الحرب، ولا عن فتح ممرات إنسانية آمنة. فالوضع في مخيم زمزم والمناطق المحاصرة حول مدينة الفاشر يقترب من المجاعة الجماعية، في ظل انعدام تام للخدمات الغذائية، وانقطاع سلاسل التوريد، وانهيار برامج التحصين والرعاية الصحية.
وتشير تجارب مماثلة في اليمن وسوريا إلى أن التأخر في التدخل الإنساني الفاعل قد يؤدي إلى كوارث جماعية تخلّف أجيالًا بأكملها مهددة بالموت أو الإعاقة الدائمة نتيجة سوء التغذية.
وبينما تتحدث الأمم المتحدة عن الحاجة الملحة للاستجابة، يبقى السؤال الحاسم: لماذا لا يتم محاسبة الدول التي تغذي هذه الحرب، وعلى رأسها الإمارات؟ ولماذا لا يُفرض حظر دولي على تسليح المليشيات المتورطة في جرائم الحرب؟
خاتمة: جوع الأطفال وصمت المجتمع الدولي.. من المسؤول؟
الأرقام التي أطلقتها “اليونيسيف” ليست مجرد إحصاءات جافة، بل صرخات مكتومة من أطفال ينامون على بطون خاوية تحت دوي القنابل. ومن المعيب أن تظل دول مثل الإمارات تروّج لنفسها كراعٍ للتنمية بينما تغذّي الصراعات في السودان واليمن وليبيا.
إن الاستجابة الإنسانية العاجلة باتت ضرورة وجودية، لكنّ الأهم هو الضغط السياسي لوقف دعم الحرب وتجفيف منابع السلاح، وتقديم من تسببوا في هذه الكارثة إلى العدالة الدولية، سواء أكانوا جنرالات أم أمراء نفط. فالطفل الذي يموت جوعًا في دارفور لا يعرف حدود السياسة، لكنه يعرف من تركه للموت في صمت.
اقرأ أيضًا : فوق الركام.. كيف أفشلت حماس آلة الاحتلال وكسبت معركة الصمود؟