في خطوة جريئة تعكس تحوّلات تدريجية في المزاج السياسي داخل المملكة المتحدة، وقّع 60 عضوًا من حزب العمال البريطاني رسالة تطالب الحكومة بالاعتراف الفوري بدولة فلسطين، متهمين إسرائيل بشكل صريح بارتكاب “تطهير عرقي” بحق سكان قطاع غزة، في ظل عدوان متواصل خلّف عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وسط صمت دولي وتواطؤ غربي مستمر.

اعتراف طال انتظاره.. وخطاب جديد في البرلمان

يأتي هذا التحرك البرلماني في ظل صمت رسمي بريطاني طويل حيال الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، لكن رسالة النواب الستين، ومعظمهم من حزب العمال، تعبّر عن موجة متصاعدة من الغضب الشعبي والنيابي تجاه الموقف الحكومي المتراخي. فقد طالبت الرسالة وزير الخارجية ديفيد لامي بالتحرك الفوري للاعتراف بدولة فلسطين، معتبرة أن الإحجام عن هذه الخطوة يشكل “تقويضًا فعليًا لفرص حل الدولتين”، ويُسهِم في “إدامة الاحتلال” الإسرائيلي ويمنح تل أبيب غطاءً للاستمرار في ضم الأراضي الفلسطينية.

وشدّد الموقعون على أن الوقت قد حان لتغيير جذري في السياسة البريطانية تجاه فلسطين، لا سيما في ظل تصاعد الجرائم المرتكبة ضد المدنيين العزّل في غزة، والدمار الشامل الذي طال الحجر والبشر. وأكدوا أن الاعتراف بفلسطين يجب ألا يُربط بشرط التفاوض أو موافقة الاحتلال، بل يجب أن يُنظر إليه كحق سياسي وتاريخي وقانوني أصيل.

اتهامات بالتطهير العرقي وتحذير من التهجير الجماعي

الرسالة التي حملت لهجة غير معتادة في الخطاب البريطاني الرسمي تجاه “إسرائيل”، اتهمت صراحةً الحكومة الإسرائيلية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، مشيرة إلى خطة وزير الحرب الإسرائيلي لتهجير سكان غزة إلى ما يسمى “مدينة إنسانية” قرب رفح، واصفين إياها بأنها “مرحلة تنفيذية ضمن خطة ممنهجة للتطهير العرقي”.

ونقل النواب عن المحامي الحقوقي مايكل سفارد وصفه لما يجري في غزة بأنه “ترحيل جماعي”، لكنهم شددوا على أن الوصف الأدق هو “تطهير عرقي”. وهي تهمة تتّسق مع تقارير متعددة من منظمات دولية وحقوقية وصحفية وثّقت حجم الدمار والقتل الممنهج الذي يتعرّض له الفلسطينيون في القطاع، بالإضافة إلى التصريحات العلنية من قادة الاحتلال حول نوايا التهجير والسيطرة على أراضٍ جديدة.

النواب دعوا الحكومة البريطانية إلى تحرك فوري من أجل وقف ما وصفوه بـ”التهجير القسري”، وطالبوا بموقف حازم ينسجم مع القيم والمبادئ التي تتغنى بها بريطانيا، لا سيما في ما يخص القانون الدولي وحقوق الإنسان.

ماكرون يُعبّر عن القلق.. وستارمر يلتقيه

الرسالة البرلمانية تزامنت مع زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى باريس ولقائه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أعرب بدوره عن “قلقه العميق” إزاء ما يحدث في غزة، وهو ما يمكن تفسيره كنوع من الاصطفاف الأوروبي التدريجي ضد السياسات الإسرائيلية، أو على الأقل شعور بالإحراج المتزايد من مواصلة الصمت أمام مشاهد الإبادة الجماعية.

لكن اللافت أن ردّ وزارة الخارجية البريطانية جاء باهتًا ومكررًا، حيث اكتفى متحدث رسمي بالقول إن “بريطانيا ملتزمة بالاعتراف بفلسطين، وسوف تقوم بذلك في الوقت المناسب حين ترى أنه يخدم السلام”. وهو ردّ يعتبره مراقبون محاولة للتنصل من المطالب المتصاعدة، والمراوحة في مربع “المواقف الرمادية” التي لطالما وفرت غطاءً سياسياً لإسرائيل.

الإبادة مستمرة.. وغضب عالمي يتصاعد

يأتي هذا التحرّك في الوقت الذي تستمر فيه حرب الإبادة التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أسفرت عن أكثر من 196 ألف شهيد وجريح، أغلبهم من النساء والأطفال، إلى جانب أكثر من 10 آلاف مفقود، ونحو مليون ونصف نازح، في ظل حصار خانق وتجويع منهجي أدى إلى وفاة عشرات الأطفال.

وبينما تستمر المفاوضات غير المباشرة في الدوحة لمحاولة التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، تواصل قوات الاحتلال قصفها للمدنيين، وتدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها، دون أدنى اكتراث بالقرارات الدولية أو أوامر محكمة العدل الدولية التي طالبت بوقف العدوان.

خاتمة: هل تتحرك لندن أخيرًا؟

الرسالة البرلمانية تمثل اختراقًا مهمًا في الخطاب السياسي البريطاني، لكنها ما زالت تصطدم بجدار المواقف المترددة داخل الحكومة. ومع ذلك، فإن الضغوط الداخلية والدولية، وتنامي الغضب الشعبي من العدوان الإسرائيلي، قد تجعل من الاعتراف بدولة فلسطين خطوة لا مفر منها في المستقبل القريب.

فهل يتحرك كير ستارمر ويكتب اسمه في سجل القادة الذين اتخذوا موقفًا شجاعًا في وقت الأزمات، أم يختار البقاء في منطقة الراحة الدبلوماسية والتواطؤ السياسي؟ الأيام المقبلة وحدها ستحمل الإجابة.

اقرأ أيضًا : المدينة الإنسانية.. قناع جديد لمحرقة غزة؟