في وقت تزداد فيه وتيرة الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، مدفوعةً بدعم عسكري غربي غير مشروط، جاءت ضربة غير متوقعة من قلب أوروبا؛ إذ أصدرت محكمة بلجيكية في بروكسل قرارًا غير مسبوق قضى بوقف جميع عمليات نقل المعدات العسكرية إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي، من إقليم “الفلمنك” شمالي البلاد.

 قرار قضائي… ضد تيار الصمت الأوروبي

القرار الذي وُصف بأنه “تاريخي”، استهدف حكومة منطقة الفلمنك، مطالبًا إياها بوقف نقل أي عتاد أو مكوّنات عسكرية قد تُستخدم في تصنيع الأسلحة الإسرائيلية، في سابقة قضائية تعكس تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية لوقف التواطؤ غير المباشر في حرب الإبادة بغزة.

وتكمن أهمية هذا القرار في كونه يأتي من محكمة محلية في بروكسل، إحدى العواصم السياسية الأهم في أوروبا، والتي تحتضن مقر الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما يمنح الخطوة وزنًا دبلوماسيًا وقانونيًا مضاعفًا.

 ميناء “أنتويرب-بروج”: شريان تسليح في قلب أوروبا

قرار المحكمة يكتسب أهمية استراتيجية خاصة لكونه يستهدف ميناء “أنتويرب-بروج”، أحد أكبر الموانئ البحرية في أوروبا والعالم، والذي تبيّن –وفق تقارير موثّقة– أنه كان بوابة لشحنات معدات تدخل في تصنيع دبابات “ميركافا” ومركبات “نمر” الإسرائيلية.

وفي تفاصيل مثيرة، كشفت منظمات سلام وحقوق إنسان بلجيكية عن شحنة عسكرية عبر رصيف “دور خانك” داخل الميناء، تحتوي على محامل أسطوانية دقيقة مصنوعة في فرنسا من قبل شركة أمريكية تدعى “Temken”، وقد تم تصديرها إلى مصنع “أشوت عسقلان” المتعاقد مباشرة مع جيش الاحتلال.

 صوت المجتمع المدني ينتصر: ضغوط حقوقية ترجمتها المحاكم

هذا التحوّل القضائي لم يكن ليتحقق لولا الحراك الحقوقي الداخلي في بلجيكا. إذ أرسلت منظمات بلجيكية بارزة –من بينها “فريدزآكسي”، و”إنتال”، و”رابطة حقوق الإنسان”– إخطارًا قانونيًا إلى الحكومة الفلمنكية تطالب فيه بوقف الشحنة فورًا، معتبرةً السماح بمرورها خرقًا للقانون البلجيكي والدولي المنظم لتجارة الأسلحة.

التحالف الحقوقي أصر على أن استمرار هذا التوريد يضع بلجيكا في موقع المتواطئ الصامت على جرائم حرب تُرتكب بحق مدنيين عزل في غزة.

 تحوّل في لهجة السياسة البلجيكية: من المسايرة إلى المواجهة؟

القرار القضائي جاء في ظل مؤشرات على تبدّل تدريجي في الموقف البلجيكي الرسمي. فقبل أسابيع، صرّح نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، ماكسيم بريفو، بأن بلاده قررت “رفع حدة لهجتها تجاه إسرائيل”، مؤكدًا أن ما يجري في غزة “لا يمتّ للدفاع المشروع عن النفس بأي صلة”.

هذا التغيّر، وإن بدا متأخرًا، يعكس مدى الضغط الشعبي والسياسي المتصاعد على الحكومات الأوروبية، التي تواجه انتقادات متزايدة لصمتها تجاه حرب إبادة جماعية متلفزة تُرتكب يوميًا في غزة.

 قراءة في المشهد: هل يكون قرار بلجيكا بداية صحوة أوروبية؟

قرار المحكمة البلجيكية يُعد بمثابة كسر لحالة الإنكار الأوروبي الجماعي تجاه الجرائم الإسرائيلية، ويفتح الباب أمام سلوك قانوني مماثل في دول أخرى، خاصة تلك التي تؤوي موانئ أو شركات مرتبطة بسلاسل التوريد العسكري.

لكن يبقى التحدي الأهم: هل تتبعه إرادة سياسية تكبح صفقات السلاح وتُترجم قرارات القضاء إلى إجراءات دبلوماسية؟ أم يبقى مجرد خطوة قانونية معزولة أمام لوبيات التسلح الداعمة لإسرائيل؟

بينما تواصل إسرائيل ارتكاب المجازر في غزة، مدعومة بأحدث الأسلحة الغربية، نجح القضاء البلجيكي في توجيه صفعة قانونية لحلقات الدعم غير المباشر، مثبتًا أن صوت الضحايا –حين يصل إلى قاعات المحاكم– قادر على خلخلة جدار الصمت، ولو في دولة واحدة.

فهل تكون هذه بداية لانحياز أوروبي أوسع إلى الحق والعدالة؟ أم مجرد صرخة في وادٍ غارق بالمصالح العسكرية؟

اقرأ أيضا: جنود الإبادة ينتحرون.. لماذا تنهي غزة حياة من غزوها؟