في وقت تتصاعد فيه الأزمات الإقليمية، وتواجه مصر تحديات غير مسبوقة على مستوى الأمن القومي والمائي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة قائد القيادة المركزية الأميركية الفريق أول مايكل كوريلا. وبينما حمل اللقاء طابعاً بروتوكولياً في ظاهره، إلا أن توقيته، وما أثير فيه من ملفات، وعلى رأسها قضية نهر النيل، يكشف عن قلق رسمي متزايد في القاهرة تجاه الملفات الاستراتيجية التي تبدو أنها خرجت من يد النظام، لا سيما في ظل عجزه عن وقف مشروع سد النهضة الإثيوبي، الذي بات يهدد بقاء مصر المائي.
نهر النيل.. صرخة متأخرة في وجه واشنطن
اللافت في اللقاء أن السيسي حرص على التأكيد أمام قائد “سنتكوم” على أن قضية نهر النيل “أمن قومي”، في ما يشبه محاولة يائسة لتدويل الملف مجددًا، بعد أن فقدت مصر أوراق الضغط الفعالة منذ توقيعها على اتفاق المبادئ في 2015.
الرسالة التي وجّهها السيسي تحمل في طياتها اعترافًا غير مباشر بأن الدولة المصرية فشلت في كبح جماح إثيوبيا، واضطرت إلى الاستنجاد بواشنطن، وتحديدًا بالمؤسسة العسكرية الأميركية، علّها تضغط بدورها على أديس أبابا.
الحديث عن “أهمية نهر النيل” في لقاء عسكري الطابع، يعكس حالة ارتباك استراتيجي لدى النظام المصري، إذ كان من المفترض أن يُطرح هذا الملف في سياقات دبلوماسية دولية، لا في لقاءات أمنية تركّز عادة على الإرهاب أو الأوضاع الإقليمية. الأمر يبدو أقرب إلى “استغاثة أمنية” بعدما ضاعت أوراق التفاوض السياسية والدبلوماسية.
الأمن مقابل الصمت.. هل تشتري القاهرة دعماً عسكرياً بصكوك سياسية؟
البيان الرئاسي المصري أكد أن اللقاء تناول “سبل تطوير التعاون الثنائي والتنسيق المشترك، لا سيما العسكري والأمني”. وفي ظل انشغال الولايات المتحدة بإعادة رسم خارطة تحالفاتها في الشرق الأوسط في ظل الحرب على غزة والتوتر في البحر الأحمر، يبدو أن النظام المصري يسعى لشراء دعم أميركي متعدد الأوجه، مقابل أدوار أمنية قد يُطلب من مصر تأديتها، سواء في غزة أو على الحدود السودانية أو حتى في البحر الأحمر.
وتكشف مشاركة وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد المجيد صقر في اللقاء، عن أبعاد أمنية حساسة أثيرت خلال الاجتماع، يُعتقد أنها تتعلق بملف المساعدات العسكرية الأميركية، وقواعد التنسيق الأمني في المنطقة، وربما ترتبط أيضًا برغبة واشنطن في إشراك القاهرة في أدوار إقليمية أكبر، وسط الحديث المتزايد عن إعادة نشر القوات الأميركية في المنطقة.
غزة في الواجهة.. ودور مصري يتآكل
اللقاء تناول – كالعادة – تطورات الحرب في قطاع غزة، حيث أكد السيسي “استمرار مصر في جهودها للتوصل إلى وقف إطلاق النار وتبادل الرهائن واستئناف دخول المساعدات”. لكن هذا التكرار الكلامي لم يعد يقنع الشارع المصري أو الفلسطيني، خاصة أن الأدوار المصرية باتت باهتة، ومحدودة التأثير أمام تصاعد الدور القطري – الأميركي، وعودة تركيا إلى واجهة الوساطة.
كما أن إشادة السيسي بجهود الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” – بدلاً من الإشارة إلى الإدارة الحالية بقيادة جو بايدن – تثير التساؤلات عن فشل التنسيق مع البيت الأبيض الحالي، ورغبة النظام في التلويح بورقة العلاقات السابقة كنوع من الضغط المعنوي أو إعادة التموضع السياسي.
البيان الرئاسي تحدث أيضًا عن “توافق على ضرورة خفض التصعيد” في المنطقة، وهي عبارة مطاطة تكررت كثيرًا، لكنها لا تعكس تغييرًا فعليًا في ميزان القوى، خاصة أن مصر تبدو حتى الآن عاجزة عن التأثير الحقيقي في مجريات ما يجري بغزة، خصوصًا مع الاتهامات المتزايدة لها من أطراف فلسطينية بالتواطؤ أو التقصير في ملف المعابر والمساعدات.
رسائل القلق الإقليمي.. ومحاولة إثبات الذات
التطرق إلى الأوضاع في سوريا وليبيا والسودان والقرن الأفريقي، يكشف عن قلق مصري متزايد من أن تتحول هذه المناطق إلى بؤر نفوذ لقوى غير حليفة، سواء كانت روسيا أو إيران أو تركيا أو حتى إسرائيل. فالسيسي يحاول عبر هذه اللقاءات إقناع واشنطن بأنه لا يزال “رجل واشنطن” القادر على ضبط الإيقاع الإقليمي، وتقديم خدمات استخباراتية وأمنية تعزّز موقعه كشريك استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه.
لكن السؤال الأهم هنا: هل تشتري واشنطن هذا الخطاب بعد فشل السيسي في أكثر من ملف؟ وهل باتت مصر بالنسبة لصنّاع القرار الأميركي عبئًا استراتيجيا يصعب الدفاع عنه أمام تدهور حقوق الإنسان وتراجع الدور الإقليمي؟
خاتمة: استغاثة السيسي لا تكفي وحدها
اللقاء بين السيسي وكوريلا يكشف أكثر مما يخفي: مصر لم تعد تمتلك أوراق الضغط في ملف سد النهضة، ولم تعد تلعب دورًا محورياً في ملفات غزة أو ليبيا أو السودان، وبدلاً من فرض شروطها، باتت تستجدي الدعم الأميركي في قضايا تعتبرها “وجودية”.
لكن واشنطن – كما هو معروف – لا تتحرك بدوافع إنسانية أو أخلاقية، بل بناء على المصالح. وإذا لم تعد القاهرة تملك ما تقدمه فعليًا، فإن استغاثات السيسي، حتى لو وصلت إلى أعلى مستويات “البنتاغون”، لن تُجدي نفعًا في استعادة ماء النيل، ولا ماء وجه النظام.
اقرأ أيضًا : انتفاضة عالمية ضد تجويع غزة: مسيرات وإضرابات تتحدى صمت العالم