بعد 22 شهراً من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، ومئات آلاف الجوعى والجرحى والمشردين، تعقد جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً اليوم الثلاثاء، على مستوى المندوبين الدائمين، برئاسة أمينها العام أحمد أبو الغيط، لبحث “خطورة الوضع الإنساني” المتدهور في القطاع. 

اجتماع يبدو أقرب لمحاولة إنقاذ ماء الوجه أمام الكارثة، بعد أن تخطت الأوضاع حدود الكارثة إلى ما يشبه المجازر الصامتة الناتجة عن الجوع، والخذلان العربي المستمر.

وفي بيان مقتضب، أوضحت الجامعة أن الاجتماع يأتي “في ظل تدهور خطير في الوضع الإنساني بغزة”، حيث تسبب الحصار الإسرائيلي والإغلاق الكامل للمعابر في تفاقم المجاعة، وسقوط مزيد من الضحايا المدنيين الذين يموتون جوعاً، في مشهد يُعدّ وصمة في جبين الإنسانية.

أرقام الفاجعة: الموت جوعاً في القرن الحادي والعشرين

في الوقت الذي يجتمع فيه المندوبون العرب في القاهرة، كانت أرقام الضحايا داخل مستشفيات غزة تتصاعد بشكل مرعب. ففي غضون 24 ساعة فقط، استُشهد 99 فلسطينياً وجُرح أكثر من 650 آخرين، بسبب استهداف مباشر للمواطنين أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات الغذائية. وبهذا، ارتفع إجمالي عدد ضحايا “لقمة العيش” إلى أكثر من 1,021 قتيلاً و6,511 مصاباً، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية في القطاع.

لكن الجوع لا يميز بين صغير وكبير، رجل أو امرأة. فبحسب برنامج الأغذية العالمي، هناك نحو 90 ألف طفل وامرأة يعانون من سوء تغذية حاد، وهو ما يعكس صورة مروعة لأزمة غذاء خانقة تتفاقم يومًا بعد يوم. وأكد البرنامج أن نحو ثلث سكان القطاع لا يحصلون على الطعام لأيام متتالية، ما يُنذر بمجاعة شاملة.

أما صندوق الأمم المتحدة للسكان، فكشف في تقريره الأخير عن وجود نحو 55 ألف امرأة حامل في غزة، منهن 11 ألفاً على الأقل يعانين من خطر المجاعة وسوء التغذية الحاد، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات تهدد حياة الأمهات وأجنتهن على حد سواء.

عجز عربي وخذلان رسمي: اجتماعات لا تطعم جائعاً

رغم أن مشهد المجاعة في غزة بات علنياً، إلا أن التحرك العربي لا يزال يتسم بالبطء والبرود، وربما باللا جدوى. فقد انتظرت الجامعة العربية حتى أعلن برنامج الأغذية العالمي أن غزة بلغت “مرحلة غير مسبوقة من التدهور” لتدعو إلى اجتماع طارئ، رغم أن مؤشرات الكارثة كانت واضحة منذ شهور، مع توقف المساعدات الدولية، وتعرض قوافل الإغاثة للاستهداف الإسرائيلي، وارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 4000%.

وفي هذا السياق، أعربت وكالة “الأونروا” عن تلقيها رسائل يائسة من موظفيها داخل القطاع، تؤكد أن سكان غزة يتضورون جوعاً، فيما تُمنع قوافل الإغاثة من الوصول منذ آذار/مارس الماضي. كما حذرت من أن أسعار السلع الأساسية تضاعفت أربعين مرة، في ظل غياب أي آلية فعالة لفك الحصار أو تأمين المساعدات.

الخذلان العربي لم يعد مجرد غياب عن الفعل، بل تحوّل إلى صمت رسمي حيال أبشع الجرائم التي تُرتكب في القرن الحادي والعشرين. لا تحرك دبلوماسي فعال، ولا ضغوط على القوى الفاعلة، ولا حتى مواقف حازمة في المحافل الدولية. وكأن غزة تقع خارج الخريطة، أو خارج الإحساس.

أسئلة مفتوحة.. ماذا بعد؟

رغم أهمية الاجتماع الطارئ كمؤشر متأخر على إدراك بعض خطورة الموقف، إلا أن مصداقيته تظل مرهونة بمخرجاته. هل ستكتفي الجامعة بإصدار بيان إدانة جديد؟ أم سيشهد العالم أخيراً موقفاً عربياً موحداً يضغط فعلياً لفك الحصار، ووقف المجاعة، وفرض دخول المساعدات؟ هل ستبقى الشعوب العربية وحدها في الشوارع، بينما تستمر الأنظمة في الاجتماعات؟

يبدو أن الموت جوعاً في غزة لم يكن كافياً لهزّ ضمائر بعض الحكومات العربية، التي فضّلت التطبيع والصمت على اتخاذ مواقف تنقذ حياة الأبرياء. والنتيجة: جثث الأطفال في الشوارع، وأرحام النساء خاوية، ومستشفيات بلا أدوية أو غذاء.

خاتمة: التاريخ لا ينسى.. ودم غزة شاهد

الاجتماع الطارئ للجامعة العربية ربما يكون خطوة مهمة، لكن الأهم هو ما بعد الاجتماع. فهل سيشهد العالم تغيّراً حقيقياً في النهج العربي تجاه كارثة غزة؟ أم سيُضاف هذا الاجتماع إلى سلسلة طويلة من القمم والبيانات التي لم تمنع مجزرة، ولم توقف مجاعة، ولم تنقذ إنساناً؟ المؤكد أن غزة لا تحتاج بيانات، بل تحتاج قراراً.. وموقفاً.. وأفعالا.

وحتى ذلك الحين، سيبقى الجوع سلاحاً إسرائيلياً، والخذلان العربي شريكاً في الجريمة.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يتغيب عن محاكمته بذريعة “طعام فاسد”.. مناورة جديدة للهروب من العدالة؟