في تطور دراماتيكي يعكس تعقيدات المشهد الميداني في قطاع غزة، أعلنت سرايا القدس – الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي – فقدانها الاتصال بمجموعة من مقاتليها كانت تتولى مسؤولية احتجاز الأسير الإسرائيلي روم بريسلافسكي، وذلك بعد توغل عسكري إسرائيلي في إحدى مناطق وسط القطاع.
الإعلان الذي جاء على لسان المتحدث العسكري باسم السرايا، “أبو حمزة”، يفتح الباب أمام تساؤلات مقلقة حول مصير الأسير الإسرائيلي، ويعيد تسليط الضوء على سياسات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تجاه ملف الأسرى في غزة، وهي سياسات لا تخلو من اتهامات متزايدة بـ”قتل الأسرى” عبر القصف المتعمد.

عملية غامضة.. ومصير مجهول
قال “أبو حمزة” في بيان رسمي إن “قيادة الحركة فقدت الاتصال منذ الاثنين بمجموعة من المجاهدين كانت مكلفة بحراسة الأسير روم بريسلافسكي، ولا تُعرف حتى الآن هوية مصيرهم أو مصير الأسير نفسه”.
وأضاف أن هذه الحادثة وقعت بعد توغل إسرائيلي مكثف استهدف منطقة يُعتقد أن المجموعة كانت متمركزة فيها، ما يشير إلى أن القوات الإسرائيلية ربما نفذت عملية استخبارية دقيقة للوصول إلى الموقع – لكن بثمن باهظ.
التصريحات تزامنت مع إعلان جيش الاحتلال عن إصابة ضابط كبير في العمليات السيبرانية يتبع لواء “غولاني” بجروح خطيرة خلال معارك في وسط القطاع، وهو ما يعزز من احتمالية أن القوات الإسرائيلية شنت عمليات محددة الهدف في إطار محاولاتها استعادة أسراها بالقوة، دون اكتراث لحياتهم.
هذا النهج العسكري العدواني الذي تتبناه إسرائيل في تعاطيها مع ملف الأسرى بات واضحًا في أكثر من مناسبة، حيث سبق وأن أشارت تقارير عبرية إلى نية الجيش “استرجاع الأسرى أحياء أو أموات”، في تناقض صارخ مع عقيدة الجيوش الغربية التي تضع سلامة أسراها على رأس أولوياتها.
نتنياهو وقتل الأسرى: استراتيجية مكررة أم إهمال متعمد؟
تحمل تصريحات “أبو حمزة” اتهامًا مباشرًا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته، إذ قال بوضوح: “منذ بدء حرب الإبادة بحق شعبنا، يتعمد المجرم نتنياهو وحكومته الإرهابية تجاهل ملف أسراها، ويسعى بكل قوة لقتلهم وإعادتهم إلى عائلاتهم في توابيت.”
وهذه ليست المرة الأولى التي يُتهم فيها نتنياهو بإهمال متعمد لقضية الأسرى الإسرائيليين. فخلال العدوان المستمر على قطاع غزة، شنت قواته عمليات مكثفة استهدفت أحياء سكنية ومناطق يُعتقد أنها تؤوي أسرى أو المقاومين المسؤولين عنهم، وهو ما أفضى سابقًا إلى مقتل الأسير الإسرائيلي نوعم نحشون في يناير الماضي، إثر غارة جوية على مبنى قيل إن حماس كانت تستخدمه كموقع احتجاز.
يبدو أن نتنياهو، المحاصر بأزمات داخلية تتعلق بملفات فساد ومحاكمات متواصلة، يستخدم الحرب في غزة كوسيلة لصرف الأنظار، ولو على حساب حياة جنوده. فبدلاً من اتباع نهج التفاوض أو تبادل الأسرى، كما كان يحدث في حكومات إسرائيلية سابقة، يفضّل الرجل اللعب بالنار عبر عمليات عسكرية خطيرة تعرّض حياة الأسرى للخطر المباشر.
وقد أثارت هذه السياسة سخطًا داخل إسرائيل، حتى من عائلات الجنود الأسرى، حيث اتهمت عائلة الأسير هدار غولدين حكومة نتنياهو أكثر من مرة بأنها تتقاعس عن بذل الجهود لإعادة ابنها من غزة منذ عام 2014.
تصعيد في دير البلح.. وقتلى تحت أنقاض التعتيم
في سياق موازٍ، أعلنت كتائب القسام – الجناح العسكري لحركة حماس – عن استهداف دبابة إسرائيلية من طراز “ميركفاه” بقذيفة “الياسين 105” في جنوب شرق مدينة دير البلح، وذلك بالتزامن مع العدوان البري الإسرائيلي على أطراف المدينة.
وأظهرت المعطيات أن مروحية عسكرية هبطت في الموقع لإجلاء مصابين أو قتلى، ما يدل على شدة الضربة، التي تزامنت مع تحرك بري نحو مواقع سكنية وخيام للنازحين، سبق أن أمر الجيش سكانها بالإخلاء.
هذه التطورات تضع الاحتلال في مواجهة مقاومة شرسة تعقد من مهامه، وتُقلص فرصه في تحقيق أي نصر عسكري على الأرض، لا سيما في ظل الفشل المتكرر في تحقيق أي مكاسب حقيقية منذ بداية الحرب.
ختامًا.. حسابات الحرب تتجاوز الأسرى
يبدو أن مصير الأسير روم بريسلافسكي قد دخل في نفق مظلم، تمامًا كما دخلت الحرب الإسرائيلية في غزة في مسار من العبث والمأزق الاستراتيجي. إن سياسة القتل بدل الإنقاذ، التي يتبعها نتنياهو، ليست فقط تعبيرًا عن وحشية عسكرية، بل هي أيضًا فشل سياسي وأخلاقي، ستحاسب عليه الأمهات والناخبون ذات يوم.
في ظل غياب أي رؤية للحل، وتحول غزة إلى مسرح مفتوح للدمار، يبقى السؤال: كم أسيرًا إسرائيليًا سيتوجب على نتنياهو أن “يقتل” حتى يعلن “النصر”؟
اقرأ أيضًا : غزة تتضور جوعاً.. الموت صامتاً في شوارع الحصار