في خطوة فجّرت جدلًا واسعًا في الساحة الفلسطينية، أعلنت حركة “فتح” عبر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس عن نيّتها المضي قدمًا في إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني قبل نهاية العام 2025، في قرار وصفته حركة “حماس” والفصائل الأخرى بأنه “تفرد مرفوض، وخطوة تقوّض المشروع الوطني وتخدم الاحتلال”.
![]()
قرار منفرد.. وتجاهل للوفاق الوطني
أعلنت حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، الأربعاء، رفضها القاطع لما وصفته بالقرار الأحادي الذي اتخذه الرئيس محمود عباس بإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، مؤكدة أنه “يتجاهل الإرادة الوطنية الجمعية ويتناقض مع كل الاتفاقيات الموقعة بين الفصائل”.
وفي بيان رسمي، اعتبرت حماس أن “هذا القرار الأحادي يمثل تجاوزًا خطيرًا لاتفاقات القاهرة والجزائر وموسكو وبكين، التي شددت على ضرورة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بطريقة ديمقراطية تشاركية، تضمن تمثيلًا حقيقيًا لكل أطياف الشعب الفلسطيني، في الداخل والخارج”.
كما شددت الحركة على أن هذا السلوك المتفرد “يكرّس الانقسام، ويُضعف مناعة الموقف الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، ويقوّض كل جهود استعادة الوحدة الوطنية”، مشيرة إلى أن الشعب الفلسطيني “يعاني اليوم من حرب إبادة في غزة، وتصعيد استيطاني وتهجيري في الضفة، ومخططات تهويد للمسجد الأقصى والقدس، بينما تنشغل القيادة المتنفذة في رام الله بإعادة ترتيب البيت الداخلي بما يخدم مصالحها الضيقة”.
سياق مشبوه.. واتهامات بـ”الإقصاء والتنسيق الأمني”
لا يمكن فصل قرار عباس الأخير عن مجمل خطواته السابقة التي تؤشر إلى مسار واضح لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني، بما يضمن استمرار نفوذ نخبة محصورة من القيادات الموالية له، وفق مراقبين.
وفي هذا السياق، يشير المحلل السياسي إياد القرا إلى أن “إعلان عباس عن تشكيل المجلس الوطني يتماشى مع نهج إقصائي قديم”، مضيفًا أن “هذا القرار يعكس رغبة الرئيس في فرض قيادة موالية له، وتهميش المعارضين، بما في ذلك فصائل تنضوي أصلًا تحت مظلة منظمة التحرير مثل الجبهة الشعبية والديمقراطية”.
وأوضح القرا، في حديثه لموقع الجزيرة نت، أن هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل يأتي امتدادًا لحل المجلس التشريعي، وتعيين نائب للرئيس بشكل انفرادي، واحتكار القرار السياسي، معتبرًا أن “السلطة الفلسطينية تتصرف حاليًا وكأنها كيان معزول عن الواقع، بينما تسفك دماء الفلسطينيين يوميًا في غزة”.
وأضاف: “كيف لرئيس سلطة أن يفكر بإعادة ترتيب مجالس ومؤسسات في ظل حرب إبادة تُنفذ بحق الشعب في غزة؟”، مؤكدًا أن الخطوة الحالية تعكس تجاهلًا كاملًا لمعاناة أهل القطاع، ومخططات لفصل غزة سياسيًا عن المشهد الفلسطيني العام.
ولفت القرا إلى أن عباس “لا يسعى فقط لتجاهل غزة، بل يعمل على إعادة تشكيل منظمة التحرير بشكل يُرضي الاحتلال والولايات المتحدة، عبر إخراج قوى المقاومة من المعادلة، وجعل المنظمة أكثر طواعية في أي مفاوضات مستقبلية حول مصير الأرض والشعب الفلسطيني”.
رفض فصائلي وشعبي متصاعد.. وتخوّف من تفتيت المشروع الوطني
بيان حماس لم يكن وحيدًا، بل جاء ضمن تصاعد موجة رفض فصائلي وشعبي للقرار. فقد عبرت شخصيات فلسطينية بارزة عن خشيتها من أن يقود هذا التوجه إلى تقويض ما تبقى من الشرعية التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويعيد إنتاج نظام سياسي مشلول، لا يحظى بأي إجماع وطني.
وأكدت حماس في ختام بيانها أن “أي خطوات انفرادية لن تُكتب لها الشرعية”، داعية إلى الوقف الفوري لهذا المسار، والعودة إلى الالتزام بما تم الاتفاق عليه في لقاءات المصالحة، لا سيما تلك التي نصت على إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على قاعدة الشراكة، “بما يعيد لها دورها التحرري ويمنع اختطافها لمصلحة طرف دون آخر”.
كما دعت الحركة “جماهير الشعب الفلسطيني وقواه الحيّة” إلى الوقوف في وجه هذا المسار “الإقصائي” والتمسك بخيار الوحدة، مؤكدة أن المعركة مع الاحتلال تتطلب قيادة موحدة، وليس قرارات فوقية تخدم أجندات خارجية.
حماس: عباس ينسق مع الاحتلال ويخون القضية
في تصريحات غير مسبوقة من حيث حدتها، وصف قياديون في حماس سلوك محمود عباس بأنه “خيانة وطنية”، واعتبروا أن التنسيق الأمني مع الاحتلال لا يزال هو السمة الأبرز في تعامل السلطة، حتى في ذروة الحرب.
وقال أحد مسؤولي الحركة -رفض الكشف عن اسمه- إن “عباس لا يتحرك إلا بما يخدم مصالح الاحتلال. كيف نفسر صمته الكامل على المجازر في غزة؟ لماذا لا يتحرك سياسيًا على الساحة الدولية؟ الإجابة واضحة: إنه جزء من المشروع الذي يريد تصفية المقاومة وتطويع الشعب الفلسطيني”.
وأضاف القيادي: “السلطة برئاسة عباس لم تُرسل أي دعم فعلي لغزة، لا سياسيًا ولا لوجستيًا. لم تتبنَّ حتى خطابًا مقاومًا. على العكس، ما زالت تعتقل المقاومين في الضفة، وتلاحق كل صوت يناصر غزة. هذا تنسيق أمني مع الاحتلال يرقى إلى مستوى الخيانة”.
خلاصة.. محاولة فرض شرعية مهترئة في زمن الدم
في وقتٍ تتعرض فيه غزة لأبشع مجازر الإبادة منذ نكبة 1948، وفي ظل صمت دولي مريب، تظهر السلطة الفلسطينية منشغلة بإعادة هندسة مؤسساتها الداخلية بشكل يضمن بقاء القيادة الحالية، في تجاهل تام للمشهد الملتهب، والمعاناة اليومية للشعب.
الخطوة التي اتخذها عباس قد تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تعكس مشروعًا خطيرًا لفصل غزة عن المشهد، وتحويل منظمة التحرير من إطار وطني جامع إلى أداة طيّعة بيد سلطة رام الله، تخدم سياسات التطبيع والانبطاح لا مشروع التحرير والعودة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح الشعب الفلسطيني، كما فعل مرارًا، في إفشال هذه المخططات؟ أم أن حالة الانقسام والانهاك التي يعيشها ستمنح السلطة مزيدًا من الوقت لفرض واقع جديد؟ الأيام المقبلة كفيلة بالكشف.
اقرأ ايضًا : بين القضبان والموت.. كيف تفضح وفيات السجناء قمع قيس سعيّد وفشل المنظومة التونسية؟