في سابقة غير معهودة، أصدرت أسر سجناء الرأي في مصر بيانًا حادّ اللهجة يدعو إلى “إضراب رمزي عن الطعام كل يوم جمعة”، دعمًا لذويهم المعتقلين والمضربين عن الطعام في سجن بدر (3). البيان الذي وقّعه عشرات من الشخصيات العامة والمعارضة، داخل وخارج البلاد، جاء ليضع حدًا لاثنتي عشرة سنة من المعاناة والصمت القسري الذي فرضه النظام على أهالي المعتقلين. ويأتي الإعلان كمؤشر على تغير في المزاج العام لدى هذه الأسر، التي ظلت لسنوات تواجه آلة القمع وحدها في صمت، قبل أن تقرر الانتقال إلى المواجهة العلنية عبر استنهاض الرأي العام، ودعوة قوى المجتمع الحية إلى دعم مطلبها الإنساني والسياسي بالإفراج الفوري وغير المشروط عن كافة سجناء الرأي.
البيان شدّد على أن استمرار حبس المعتقلين السياسيين بعد مرور أكثر من عقد على الأحداث هو “ظلم لا يمكن تبريره”، وانتهاك صارخ للدستور المصري وللمواثيق الدولية. وقد حمّل البيان السلطة مسؤولية ما وصفه بـ”الانتهاكات الجسيمة” التي يتعرض لها السجناء، ومن بينها التعذيب الجسدي والنفسي، ومنع الزيارة، والإهمال الطبي، وتدوير القضايا دون دليل. ولعلّ أبرز ما في هذا التحرك أنه لا يصدر عن جهة سياسية أو تكتل معارض، بل عن قلوب مجروحة وأسر أتعبها الغياب، لتتحول أصوات الأمهات والزوجات والأبناء إلى صرخة جماعية في وجه صمت الدولة ولامبالاتها.

دعوة للإضراب الشعبي وضغط رمزي من القاعدة المجتمعية
البيان لم يكتف بمطالباته السياسية، بل أطلق مبادرة رمزية على شكل إضراب عن الطعام كل يوم جمعة، يشارك فيه المتضامنون من خارج السجون، للتعبير عن وحدة المصير مع السجناء المضربين في “قطاع 2” بسجن بدر (3). هذه الدعوة تمثل تحولا لافتًا في تكتيكات أسر المعتقلين، عبر نقل المعركة من جدران السجون إلى ساحات المجتمع، في محاولة لتوسيع رقعة التضامن، وتحويل القضية من شأن فردي إلى قضية رأي عام.
وقد دعا البيان كل من يشارك في هذا الإضراب إلى الإعلان عنه عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف إحداث ضغط شعبي على النظام، وإيصال رسالة رمزية بأن معركة الكرامة لا يمكن أن تبقى حبيسة الزنازين. ويكتسب هذا التحرك الرمزي أهميته في سياق انسداد الأفق السياسي، وانعدام الثقة في وعود الحوار الوطني، التي خيّبت آمال كثير من الأسر. فبحسب ما أكدته الأكاديمية ماجدة رفاعة، شقيقة المعتقل والسفير السابق رفاعة الطهطاوي، فإن “الحوار الوطني لم يكن سوى محاولة لتجميل وجه السلطة أمام المجتمع الدولي، دون أن يغيّر شيئًا من واقع المعتقلين”.
وتُعد هذه المبادرة الشكل الأول من التحركات السلمية التي تعتمد على الضغط الرمزي، لا من خلال الشعارات أو الاحتجاجات، بل عبر معايشة رمزية لمعاناة المعتقلين، وهو تكتيك استخدمته حملات حقوقية عالمية سابقًا، مثل “جمعة الشموع” و”الصمت الرمزي”، لكنه يُنفّذ لأول مرة في مصر بهذا الشكل الجماعي المنظّم من داخل نواة اجتماعية مرتبطة مباشرة بالضحايا.
مناشدة لضمير المجتمع وتحذير من غياب العدالة
البيان وجّه نداءً مفتوحًا إلى ضمير المجتمع المصري ومؤسساته النقابية والدينية والحقوقية، مؤكدًا أن غياب القانون واستمرار القمع يهددان مستقبل البلاد، وأنه “لا مستقبل آمن لوطن يغيب فيه القانون، وتصبح عصا الأمن فيه هي الحاكمة”. هذا النداء تزامن مع تصاعد التحذيرات من داخل السجون نفسها، إذ بعث معتقلو “قطاع 2” رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، طالبوا فيها بتدخل عاجل لوقف “الموت البطيء” الذي يتعرضون له نتيجة العزلة، وانعدام الرعاية الصحية، والانتهاكات الممنهجة التي تُرتكب بحقهم على يد ضباط بعينهم، ذكروا أسماءهم ومسؤولياتهم.
هذا التحرك العلني من داخل وخارج السجون يضع النظام في مواجهة مباشرة مع ملف تجاهله طويلًا، رغم أنه يشكل نقطة حرجة في سجلّه الحقوقي. فالتقارير الحقوقية الدولية التي توثق الانتهاكات في السجون المصرية تزداد حدة، فيما تتقلص قدرة النظام على الاستمرار في سياسة “الاحتواء الإعلامي” أمام تصعيد الأسر ومشاركة شخصيات عامة وازنة في الحملة، من أمثال حمدين صباحي، حسن نافعة، أسامة الغزالي حرب، تميم البرغوثي، أيمن نور، محمد محسوب، وطارق الزمر، وآخرين.
إنها لحظة مفصلية في العلاقة بين المجتمع والدولة، حين تخرج أصوات الأمهات والزوجات من خانة الصبر إلى خانة الفعل، وحين يتحول الوجع إلى موقف، والغياب إلى رسالة. فما جرى في بيان أسر المعتقلين هو أكثر من مجرد صرخة.. إنه بداية تشكّل وعي جمعي جديد، يربط بين الكرامة الفردية والعدالة الوطنية. فهل تسمع الدولة هذا الصوت قبل أن يتحول إلى موجة أوسع من العصيان الرمزي والمجتمعي؟ وهل يستيقظ ضمير الأغلبية الصامتة قبل أن تغدو مشاركتها متأخرة في كسر جدار الخوف؟
اقرأ أيضًا : الأونروا: المجاعة الجماعية في غزة مُدبّرة.. ونظام المساعدات يخدم الأجندة الإسرائيلية