في ظل المجاعة المتفاقمة التي تضرب قطاع غزة وتفتك بآلاف الأطفال والمدنيين، خرج المكتب الإعلامي الحكومي في غزة بتصريح صادم، كشف فيه زيف ما يُروج له من مساعدات جوية أو برية، مؤكدًا أن ثلاث عمليات إنزال جوي للمساعدات، لم تتجاوز في مجملها شاحنتين اثنتين فقط.
وبينما يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة التجويع الممنهج، تتواطأ دول كبرى وتغطي الجرائم عبر عروض استعراضية لا تسمن ولا تغني من جوع، في مسرح عبثي تموت فيه الكرامة والإنسانية مع كل يوم يمر.
إنزال جوي عديم الجدوى.. والمجاعة تفتك بغزة:
بحسب البيان الصادر عن المكتب الإعلامي في غزة، فإن ثلاث عمليات إنزال جوي تمت خلال اليومين الماضيين على مناطق متفرقة من القطاع، غير أن نتائجها الإنسانية تكاد تكون معدومة. إذ لم تعادل المساعدات المُلقاة حجم شاحنتين فقط، في وقت يُحاصر فيه أكثر من 2.4 مليون إنسان ويعانون من نقص حاد في الغذاء، بينهم 1.1 مليون طفل، قضى منهم 87 حتى الآن بسبب الجوع.
الفضيحة الأخطر تمثّلت في أن حمولات الإنزال سقطت في ما يعرف بـ”مناطق قتال حمراء”، وهي مناطق خطرة وفق تصنيف الاحتلال الإسرائيلي، يُمنع على المدنيين الاقتراب منها، ما يجعل هذه المساعدات بلا أي فائدة فعلية. بهذا، يتكشف زيف الادعاءات الدولية بأن هناك مساعدات حقيقية، فيما الحقيقة أن هذه العمليات أشبه بـ”إلقاء طعام في وسط حقل ألغام”، كما وصفها أحد مسؤولي الإغاثة.
هندسة الفوضى.. الاحتلال ينهب الشاحنات ويمنع التوزيع:
رغم الوعود التي نشرتها وسائل إعلام دولية عن نية عدة دول إدخال مئات الشاحنات إلى غزة، إلا أن الواقع الميداني كان صادمًا: 73 شاحنة فقط دخلت شمال وجنوب القطاع خلال اليومين الماضيين، حسب المكتب الإعلامي، لكن هذه الشاحنات لم تصل للمدنيين.
بل على العكس، تعرضت معظمها للنهب والسلب تحت أعين جنود الاحتلال وطائراته المُسيّرة، ضمن ما بات يُعرف بسياسة “هندسة الفوضى والتجويع”، التي يتّبعها الاحتلال بشكل منهجي لمنع تنظيم جهود الإغاثة. وتهدف هذه السياسة إلى تفكيك النسيج المجتمعي داخل القطاع عبر إحداث فوضى في عملية توزيع الغذاء، وخلق معارك داخلية بين الجائعين على فتات المساعدات.
وأشار البيان إلى أن الاحتلال يمنع وصول الشاحنات إلى مستودعات التوزيع المركزية، ويجبرها على الدخول من مسارات مكشوفة تتعرض للنهب، أو يسرب معلومات للميليشيات المرتبطة به لتنهب المساعدات قبل وصولها للمدنيين. إنها حرب لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالمجاعة، ببطون خاوية، وبأطفال يموتون ببطء شديد أمام صمت العالم المخزي.
تواطؤ دولي وعربي.. والكارثة تتوسع:
أدان المكتب الإعلامي بشدة تواطؤ المجتمع الدولي، وصمته المُطبّع مع سياسات التجويع التي ينتهجها الاحتلال، واعتبر أن ما يجري هو “مسرحية هزلية” تشارك فيها دول كبرى مثل الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، وفرنسا، بوصفها شركاء فعليين في الجريمة الجارية بحق الشعب الفلسطيني.
وأضاف البيان أن العالم اليوم يقف على عتبة فضيحة إنسانية تاريخية، إذ يتم تلميع الجريمة عبر خطابات إنسانية زائفة، فيما الحقيقة أن ما يجري هو جريمة إبادة جماعية مغطاة سياسياً. ورفض المكتب مزاعم الرئيس الأمريكي حول نوايا فك الحصار، مشيرًا إلى أن واشنطن فقدت الحد الأدنى من المصداقية بعدما أصبحت شريكًا صريحًا في الحرب والحصار.
أما على الصعيد العربي، فقد وجّه البيان انتقادات حادة للحكومات التي تلتزم الصمت أو تشارك في حصار غزة بشكل غير مباشر، من خلال إغلاق المعابر أو تسهيل مهام الاحتلال. وطالب بفتح المعابر فورًا ومن دون شروط، والسماح بتدفق المساعدات بشكل منظم وسريع قبل أن يزداد عدد الشهداء من ضحايا الجوع.
كما دعا وسائل الإعلام إلى التوقف عن ترويج الأرقام المُضخّمة أو الصور المُضلِّلة التي توحي بانفراجة، مؤكدا أن المجاعة تتوحش وتتمدد، وأن كل لحظة تمر دون تدخل حقيقي تُعد مشاركة في الجريمة.
خاتمة | الإنزال الاستعراضي لا يُطعم جائعاً:
تكشف تفاصيل البيان أن الاحتلال الإسرائيلي يمارس حرب تجويع ممنهجة، يحاصر بها غزة كما تحاصر النار الهشيم، فيما يحاول تزيين وجهه القبيح بإنزالات جوية استعراضية لا تُسمن ولا تغني من جوع. لكنّ الأدهى أن هذا التواطؤ لا يأتي من العدو وحده، بل تشارك فيه أنظمة عربية وغربية، تنسّق في الكواليس وتُبارك في العلن، عبر مواقف ناعمة لا تغير في معادلة الموت شيئاً.
وفي الوقت الذي يموت فيه الأطفال جوعاً، يواصل العالم الاحتفال بإلقاء كيس دقيق من السماء، بدل فتح معبر واحد على الأرض. إنها مأساة العصر، تُكتب بدموع الأمهات وصرخات الجياع، فيما يدوّن التاريخ أسماء المشاركين في هذا العار الإنساني الذي لا يُمحى.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يرتكب جريمة بحرية جديدة باعتراض “حنظلة”.. حماس: قرصنة لن تكسر عزيمة المتضامنين