في خطوة تعكس حجم السخط الأوروبي المتصاعد تجاه حكومة الاحتلال المتطرفة، أعلنت هولندا رسميًا حظر دخول وزيري الأمن القومي والمالية الإسرائيليين، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بسبب تحريضهما المباشر على العنف ضد الفلسطينيين، وتورطهما في جرائم ترقى إلى التطهير العرقي.
القرار الهولندي، الذي وُصف بأنه “سابقة دبلوماسية”، يحمل دلالات عميقة على عزلة الاحتلال المتزايدة داخل الفضاء الأوروبي، لا سيما في ظل الحرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة.

إعلان الحظر.. تصعيد دبلوماسي ورسالة سياسية واضحة
أعلن وزير الخارجية الهولندي، هانك فالدفامب، أن حكومته قررت اعتبار بن غفير وسموتريتش “شخصين غير مرغوب فيهما”، وأن اسميهما أُدرجا بالفعل في نظام “شنغن” الأوروبي، بما يمنع دخولهما إلى جميع دول الاتحاد المنضوية ضمن هذا النظام. وأوضح الوزير أن هذا القرار جاء بعد “تحريض الوزيرين على عنف المستوطنين، وتأييدهما لتوسيع المستوطنات غير القانونية، والدعوة العلنية لتطهير عرقي في غزة”، مؤكدًا أن هذه المواقف تمثل انتهاكًا سافرًا للقانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.
القرار لم يأتِ بمعزل عن التدهور الإنساني الحاد الذي تشهده غزة بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر، بل كان نتيجة تراكمات طويلة لسلوك الوزرين العنصري والداعم للجرائم بحق الفلسطينيين، وهو ما جعل وجودهما في الدول الأوروبية يمثل إحراجًا دبلوماسيًا لحكوماتها، ويهدد السلم الأهلي.
سجل أسود.. من التعذيب إلى التجويع والتطهير العرقي
القرار الهولندي سلط الضوء على الجرائم العلنية التي يتفاخر بها الوزيران المحظوران، فإيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، يشرف بشكل مباشر على سجون الاحتلال، وتورط بشهادة أسرى فلسطينيين في ممارسة التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم، خاصة أسرى غزة الذين يتعرضون لتنكيل وتجويع ممنهج بإشرافه المباشر. كما أصدر أوامر تسمح باستخدام أقصى أساليب العقاب في الزنازين، بما في ذلك العزل الانفرادي، والحرمان من الطعام والعلاج.
أما بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، فهو مهندس سياسة “الضغوط الاقتصادية” على الفلسطينيين، ويقود مشروعًا واضحًا لتهجير السكان الفلسطينيين من الضفة الغربية عبر منع تصاريح البناء ومصادرة الأراضي ودعم ميليشيات المستوطنين. وفي قطاع غزة، لعب سموتريتش دورًا بارزًا في منع دخول المساعدات الإنسانية، ما أدى إلى تفاقم المجاعة، وخلق ظروف تطهير عرقي تُقارن بأسوأ الجرائم ضد الإنسانية في التاريخ الحديث.
هؤلاء المسؤولون لم يعودوا مجرد سياسيين متطرفين، بل أصبحوا يُنظر إليهم كـ”مجرمي حرب محتملين” داخل دوائر سياسية وحقوقية أوروبية.
أوروبا تتجه لعزل الاحتلال.. والمنظومة الإسرائيلية تتصدع
قرار هولندا يتقاطع مع تحولات أوسع في الموقف الأوروبي من الاحتلال، بعد فشل محاولات التستر على جرائمه في غزة والضفة الغربية. فقد كشف رئيس الوزراء الهولندي، ديك شوف، أن بلاده لن تعارض تعليق مشاركة الاحتلال في برنامج “هورايزون” للأبحاث العلمية، إذا تبنّى الاتحاد الأوروبي هذا التوجه. ويعني هذا تحولًا استراتيجيًا نحو استخدام أدوات الضغط الاقتصادي والعلمي لعزل الاحتلال.
وبالفعل، تشير تقارير صحفية إلى أن الاتحاد الأوروبي بصدد مناقشة هذا المقترح، وسط ضغوط متزايدة من دول كبلجيكا وإيرلندا وإسبانيا، التي انتقدت مرارًا تواطؤ حكومات أوروبية في تمويل جهات إسرائيلية متورطة في الحرب. وإذا أُقر التعليق، فستكون هذه أول مرة يُمنع فيها الاحتلال من الاستفادة من برامج الأبحاث الأوروبية بسبب جرائم حرب.
في هذا السياق، يصبح قرار هولندا جزءًا من مسار أوسع لعزل إسرائيل دبلوماسيًا، وتحميلها المسؤولية عن الانتهاكات الواسعة التي ترتكبها قواتها وقيادتها السياسية. كما يشير إلى تحوّل جوهري في تعامل أوروبا مع حكومة الاحتلال الأكثر تطرفًا في تاريخها، والتي باتت عبئًا حتى على داعميها التقليديين.
إسرائيل تُعزل والوزراء يتحولون إلى “مطارَدين دوليين”
ما يجري لا يمكن قراءته فقط كتحرك منفصل من هولندا، بل كمؤشر على أن الاحتلال الإسرائيلي يفقد شرعيته السياسية في العواصم الأوروبية واحدة تلو الأخرى. بن غفير وسموتريتش أصبحا رمزين للتطرف العنصري وللجرائم الجماعية، وأسماءهم باتت ترتبط في الأذهان الأوروبية بالمذابح والتعذيب والتجويع، وليس بالأمن أو السياسة.
لقد تحوّل الاحتلال من كيان يُحاول التغلغل في أوروبا عبر اتفاقيات وشراكات، إلى كيان منبوذ، يُلاحق مسؤولوه في المحاكم، ويُحظر دخولهم، وتُعلّق امتيازاته الأكاديمية والاقتصادية. إنه سقوط مدوٍّ لسياسة التطبيع الأوروبي، وانتصار مبدئي لقيم العدالة والإنسانية.
اقرأ أيضًا : قبرص على خط النار القضائي.. دعوى دولية ضد جندي إسرائيلي متورط بجرائم حرب في غزة