في تحدٍ مباشر لإرهاب الدولة الإسرائيلية وسياسات القمع، أعلن نشطاء سفينة “حنظلة” استمرارهم في الإضراب المفتوح عن الطعام داخل سجون الاحتلال، ورفضوا التوقيع على أوراق الترحيل القسري، مؤكدين على الطابع الإنساني لمهمتهم التي تهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة.

وبينما تسعى قوات الاحتلال إلى إسكات صوت التضامن الدولي، فإن صمود هؤلاء المتطوعين يعيد إلى الواجهة جرائم إسرائيل بحق الإنسانية، لا سيما في قطاع غزة المحاصر منذ أكثر من 18 عامًا.

الكرامة خلف القضبان

بحسب ما أكدته اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، فإن جلسات استماع استمرت لأكثر من 6 ساعات انتهت دون الحصول على توقيعات 14 ناشطًا محتجزًا، رفضوا بشدة ترحيلهم القسري أو الاعتراف بأي خطأ، مشددين على أن تحركهم لا يخرج عن إطار القانون الدولي والحق الإنساني في مناهضة الحصار والجرائم المرتكبة بحق المدنيين في غزة.

وأكد النشطاء أن مشاركتهم في سفينة “حنظلة” جاءت من منطلق إنساني وأخلاقي، بهدف إيصال رسالة إلى العالم بأن الحصار المفروض على أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة هو جريمة جماعية متواصلة ينبغي إنهاؤها فورًا. أحد هؤلاء النشطاء، الأمريكي كريستيان سمولز، أكد في شهادته أنه تعرض لعنف جسدي شديد على يد قوات الاحتلال، ما يكشف زيف الادعاءات الإسرائيلية باحترام حقوق الإنسان.

من جانبها، تحدثت ناشطات عن ظروف احتجاز مهينة، وانعدام تام للتهوية، وغياب مستلزمات النظافة الخاصة بالنساء، في تكرار لانتهاكات موثقة سابقًا بحق المعتقلين الفلسطينيين، وخاصة النساء. وتؤكد اللجنة أن بعض المتطوعين تعرضوا لضغوط نفسية لإجبارهم على التوقيع على وثائق الترحيل أو التنازل عن حقهم في لقاء محام، ما يسلط الضوء على طابع الاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني.

الاحتلال يحارب التضامن

العدوان الإسرائيلي على سفينة “حنظلة” لم يكن مجرد انتهاك لقانون الملاحة الدولية، بل تجسيد لعقلية الاحتلال التي تعتبر أي عمل تضامني جريمة، وأي صوت إنساني خطرًا يجب إسكاته. فالاعتداء الذي نفذته بحرية الاحتلال يوم السبت الماضي، يعيد إلى الأذهان مشهد سفينة “مرمرة الزرقاء” عام 2010، حين هاجمت القوات الإسرائيلية سفينة مساعدات إنسانية وقتلت تسعة نشطاء على متنها.

لكن ما يميّز عملية “حنظلة” هو اقتراب السفينة من القطاع المحاصر أكثر من أي سفينة تضامن سابقة، حيث وصلت إلى مسافة 70 ميلاً من شواطئ غزة، وهي نقطة تجاوزت بها سفينة مرمرة (72 ميلاً)، وسفينة “الضمير” التي كانت على بُعد 1050 ميلاً من غزة، ما يعكس شجاعة وإصرار هؤلاء النشطاء على كسر الحصار وإيصال صوت المقهورين.

ويُذكر أن الاحتلال اختطف السفينة واقتادها قسرًا إلى ميناء أسدود، حيث جرى اعتقال النشطاء دون أي مبرر قانوني، ودون أن يُسمح لهم بلقاء محامين أو الاتصال بممثليهم القنصليين، في خرق صريح لاتفاقيات جنيف التي تنظم حقوق المدنيين والأسرى خلال النزاعات المسلحة.

إصرار يتحدى الإبادة

ترى اللجنة الدولية لكسر الحصار أن ما يتعرض له نشطاء “حنظلة” هو انعكاس مصغّر للجريمة الكبرى التي يرتكبها الاحتلال في قطاع غزة، من إبادة جماعية وتجويع جماعي، عبر الحصار والتجويع وعرقلة إدخال المساعدات وقطع الإمدادات الأساسية، وهو ما يندرج تحت طائلة جرائم الحرب وفق القانون الدولي.

وقد أكدت اللجنة أن ثلاثة فقط من النشطاء وافقوا على إجراءات الترحيل، بينما لا يزال الباقون متمسكين بمواقفهم. وتم الإفراج فقط عن الناشطَين هويدا عراف وبوب سوبيـري، لحملهما الجنسية الإسرائيلية إلى جانب الأمريكية، ما يكشف ازدواجية المعايير لدى الاحتلال في التعامل مع النشطاء الأجانب.

وفي مقابل الانتهاكات الجسيمة، يبقى الموقف البطولي للنشطاء دليلاً على أن القضية الفلسطينية لا تزال تجد من يتضامن معها بدمه وجوعه، في وقت يتواطأ فيه كثير من زعماء العالم مع الجريمة أو يغضّون الطرف عنها. فإضراب الطعام المفتوح الذي يخوضه النشطاء اليوم هو فعل مقاومة سلمية بامتياز، يستمد قوته من عدالة القضية وإنسانية المطلب.

اختبار أخلاقي للعالم

ما جرى مع نشطاء سفينة “حنظلة” لا يخص الفلسطينيين وحدهم، بل هو اختبار أخلاقي للعالم أجمع: هل سيبقى صامتًا أمام اعتقال متطوعين جاؤوا حاملين مساعدات وأصوات إنسانية؟ هل سيغضّ الطرف عن استمرار الاحتلال في ارتكاب جرائم حرب، ليس فقط في غزة، بل حتى في البحر المفتوح؟

في ظل صمت حكومات كثيرة، تتعالى أصوات الشعوب التي ترى في “حنظلة” رمزًا جديدًا للصمود، ووجهًا آخر للعدالة المنشودة. فهؤلاء النشطاء وإن كُبلوا اليوم، فإن حريتهم أقوى من سلاسل الاحتلال، وإضرابهم أبلغ من كل الخطابات الرسمية التي لم تُوقف بعد آلة القتل الإسرائيلية.

اقرأ أيضًا : تصاعد المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل.. الغرب ينعزل عن جامعات الاحتلال