في خطوة فجّرت موجة غضب عارم، أفرجت محكمة إسرائيلية، مساء الثلاثاء، عن المستوطن المتطرف “ينون ليفي” المتهم بقتل الفلسطيني عودة الهذالين، أحد المشاركين في إنتاج فيلم وثائقي حاز جائزة الأوسكار لعام 2025. القتل الموثق، والذي وقع في قرية “أم الخير” بمسافر يطا جنوب الخليل، لم يكن كافيا لحجز القاتل خلف القضبان، حيث قررت المحكمة الاكتفاء بوضعه تحت الإقامة الجبرية، متجاهلة جرائم موثقة بالصوت والصورة، وتاريخًا طويلًا من العنف ضد الفلسطينيين.

هذه الواقعة تمثل صفعة جديدة لمفهوم العدالة في دولة الاحتلال، وتفتح الباب مجددًا للحديث عن إفلات المستوطنين من العقاب، واستقواءهم على الفلسطينيين تحت حماية رسمية من المؤسسة الأمنية والسياسية.

الجريمة التي لم تُنكرها حتى الكاميرات

عودة الهذالين (31 عامًا)، لم يكن مجرد مواطن فلسطيني يعمل مدرسًا ويعيل 3 أطفال، بل كان أيضًا شاهدًا ومنتجًا مشاركًا في فيلم “لا أرض أخرى”، الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل هذا العام. الفيلم سلّط الضوء على معاناة الفلسطينيين في مسافر يطا، وعلى سياسة التطهير العرقي التي تمارسها إسرائيل بحق الأهالي هناك، من هدم المنازل إلى قطع الماء والكهرباء، ومنع التعليم والتنقل.

لكن الهذالين لم ينجُ من واقع الفيلم. في مشهد مأساوي أشبه بالدراما الحقيقية، ظهر في مقطع مصوّر نشرته منظمة “بتسيلم” الحقوقية، وهو يتعرض لإطلاق نار مباشر من قبل المستوطن ليفي، الذي اقتحم قرية أم الخير مسلحًا، وسط تواطؤ واضح من جيش الاحتلال الذي لم يمنعه أو يعتقله حينها.

ورغم وضوح الأدلة، ورغم فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات على “ليفي” بسبب جرائمه المتكررة، اكتفت السلطات الإسرائيلية باتهامه بالقتل غير العمد، وقررت إطلاق سراحه ووضعه قيد الإقامة الجبرية، في مسرحية قضائية مكشوفة تكشف مدى تواطؤ القضاء مع أيديولوجية الاحتلال الاستيطانية.

المستوطنون فوق القانون.. والدم الفلسطيني بلا قيمة

تجسد قضية “ينون ليفي” بوضوح كيف أن المستوطنين الإسرائيليين باتوا قوة خارج القانون، ليس فقط بتشجيع من التيارات الدينية والقومية المتطرفة، بل برعاية مباشرة من المؤسسة الرسمية. فعلى مدار السنوات الماضية، تحوّلت الضفة الغربية، خاصة جنوب الخليل، إلى ميدان اعتداءات يومية ينفذها مستوطنون مسلحون ضد الفلسطينيين، دون رادع.

وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، نفّذ المستوطنون أكثر من 2150 اعتداءً خلال النصف الأول من عام 2025 فقط، أدت لاستشهاد 4 فلسطينيين وتدمير ممتلكات عشرات العائلات وتهجيرهم. وهذه الاعتداءات تشمل إطلاق نار، حرق مزارع، تخريب سيارات، واقتحام منازل تحت حماية الجيش.

المفارقة أن القوانين الإسرائيلية التي تُفرض بقسوة على الفلسطينيين، تتوقف عند أعتاب المستوطنين، وكأنهم مواطنون من طبقة إلهية لا تُحاسب. وهذا ما يفسر التراخي في المحاسبة رغم التصوير والتوثيق، ورغم الاعترافات الدولية بالعنف المنهجي ضد الفلسطينيين.

الأوسكار الذي فضح الاحتلال.. والعدالة التي لا ترى الفلسطينيين

فوز فيلم “لا أرض أخرى” بجائزة الأوسكار لم يكن إنجازًا سينمائيًا فقط، بل كان صفعة دولية مدوية للاحتلال الإسرائيلي، خاصة بعد أن أُنتج الفيلم بأيدي فلسطينيين عاشوا تجربة التهجير والهدم والملاحقة. وكان عودة الهذالين من أبرز من وثقوا بالصورة والصوت تلك الجرائم، سواء داخل المدرسة التي عمل بها، أو عبر شهاداته في مشاهد الفيلم.

لكن إسرائيل لا تحتمل صوتًا يفضحها، ولا عينًا ترى الحقيقة من الداخل، فاختارت أن تُسكت الهذالين بالرصاص، ثم تكافئ قاتله بالإفراج. هذا هو الوجه الحقيقي لدولة تقول عن نفسها إنها “واحة الديمقراطية” في الشرق الأوسط، بينما تمارس يوميًا سياسة قتل منظمة، وتجعل من القضاء أداة لحماية القتلة بدلًا من معاقبتهم.

ورغم ردود الفعل الدولية الغاضبة على الحادث، فإنها بقيت في حدود التصريحات الرمزية، دون تحرك حقيقي يردع إسرائيل أو يفرض عليها احترام القانون الدولي، مما يجعل دماء الفلسطينيين مستباحة أكثر فأكثر.

حين يُكرَّم المقتول ويُكافأ القاتل

بين مشهد تتويج فيلم “لا أرض أخرى” في قاعة الأوسكار، ومشهد دفن عودة الهذالين تحت تراب قريته، فارق كبير بين العدالة السينمائية والعدالة الحقيقية. فعلى خشبة الأوسكار، وقف العالم احترامًا لصرخة الفلسطينيين، لكن في محكمة القدس، وقف القاضي صامتًا أمام قاتلهم، وتركه يذهب إلى بيته مطمئنًا.

هذه الفجوة بين الإدانات الأخلاقية والتحرك الفعلي، هي ما يجعل المستوطنين يتمادون في جرائمهم، ويجعل إسرائيل أكثر وقاحة في تكريس نظامها القائم على الفصل العنصري والتطهير العرقي.

ففي دولة الاحتلال، لا أرض أخرى، ولا عدالة أخرى. هناك فقط رصاص واحد موجه دومًا إلى صدر الفلسطيني.

اقرأ أيضًا : جنود يرفضون القتال في غزة: تصدّع داخل الجيش وهشاشة متفاقمة أمام صمود المقاومة