بقلم/ فهد الميقادي

لم يعد ميدان العدالة الدولية بمنأى عن المعارك السياسية القذرة؛ فقد كشف تحقيق موسع لموقع “ميدل إيست آي” كيف تحولت أروقة المحكمة الجنائية الدولية إلى ساحة صراع بين سعي المدعي العام كريم خان لمحاسبة قادة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمهم، وبين ضغوط وتهديدات وتحركات مدروسة لإجهاض هذا المسار.

لم يكتف خصوم العدالة بالتلويح بالعقوبات والتمويل، بل استخدموا سلاح الفضائح الأخلاقية، وفتحوا أبواب الاتهامات الجنسية في توقيت مشبوه، لإسقاط خان شخصيًا وضرب المحكمة في مقتل.

ضغوط سياسية وتحركات استخباراتية لإفشال التحقيق

بدأت فصول الضغط على كريم خان تتبلور بوضوح منذ أبريل 2024، حين كان يستعد لتقديم طلبات مذكرات توقيف بحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة والضفة الغربية.

تواصلت هذه الضغوط في أكتوبر من العام ذاته، قبيل صدور المذكرات رسميًا، حيث كشفت المراسلات عن تهديدات مباشرة من شخصيات نافذة مثل وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون الذي لوّح بسحب تمويل بريطانيا للمحكمة، والسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام الذي توعد بفرض عقوبات على خان شخصيًا.

وفي مشهد أشبه بأفلام التجسس، تلقى خان تحذيرًا من المحامي البريطاني الإسرائيلي نيكولاس كوفمان، نقلًا عن المستشار القانوني لنتنياهو، مفاده أن المحكمة “ستُدمّر” إن أصرت على إصدار المذكرات. وفي خلفية المشهد، رُصد نشاط استخباراتي للموساد في لاهاي، مما أثار مخاوف على سلامة خان وعائلته، بحسب ما أورده التحقيق.

الفضيحة الجنسية كسلاح اغتيال معنوي

في خطوة بدت جزءًا من خطة محكمة لتقويض خان، ظهرت اتهامات جنسية ضده في توقيت مفصلي. فقد انتشرت مزاعم بالتحرش ثم الاعتداء الجنسي عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل، استنادًا إلى تسريبات داخلية ورسائل نصية بين خان والمشتكية، وهي موظفة في المحكمة سبق لها أن تلقت دعمه في قضية أخرى ضد مسؤول رفيع.

وعلى الرغم من أن المشتكية أكدت تعاونها الكامل مع التحقيق الأممي، فإن الملابسات المثيرة – ومنها رسائل ودية متبادلة بينها وبين خان في الفترة التي تدّعي فيها تعرضها لسوء المعاملة – تطرح تساؤلات كبيرة حول التوقيت والنية. وقد اتضح لاحقًا أن الشكاوى فُتح بعضها وأُغلق سريعًا بسبب رفض المشتكية التعاون، بينما تسارعت التحقيقات الخارجية عقب تزايد الضغوط على خان من داخل المحكمة وخارجها.

التحقيق يكشف أيضًا عن دور مشبوه لتوماس لينش، المساعد الخاص لخان، الذي قاد تحويل المزاعم إلى شكوى رسمية رغم أنه أعرب سابقًا عن شكوكه بشأن صحتها. وذهب أبعد من ذلك حين عدّل بيانًا رسميًا لكريم خان خلال زيارته لإسرائيل، ليتحول إلى بيان منحاز للاحتلال ويصف حماس بالإرهاب، في مخالفة صريحة لأسلوب خان الحيادي المعروف.

عندما تتحالف “الديمقراطيات” مع الاستبداد ضد القانون الدولي

لم يكن الأمر محصورًا في أفراد داخل المحكمة، بل يبدو أن المنظومة الغربية بأكملها تحركت لضرب أي مسار عدلي يمس بـ”الخطوط الحمراء” لإسرائيل. فرضت الولايات المتحدة عقوبات على خان، رغم أنها ليست عضوًا في المحكمة، واتخذت إجراءات عقابية ضد أربعة قضاة آخرين. ووجهت تهديدات مباشرة للهيئات الرقابية في المحكمة، مطالبةً بسحب مذكرات التوقيف، ما يكشف عن نفاق صارخ في حديث واشنطن عن “دعم سيادة القانون”.

تقرير “ميدل إيست آي” يكشف أن حملة التشويه ضد خان لم تكن فقط بهدف وقف تحقيقه في فلسطين، بل لضرب استقلالية المحكمة الجنائية الدولية نفسها، وتشويه مصداقيتها أمام الرأي العام الدولي. ويبدو أن هناك جناحًا داخل المحكمة يتبنى هذه الرؤية، حيث أُثيرت انتقادات من بعض العاملين بأن خان كان عليه الاكتفاء بملاحقة مسؤولين إسرائيليين من رتب أدنى، أو الاعتماد على شهود سريين بدلًا من الأدلة المتاحة علنًا، في محاولة واضحة للالتفاف على جوهر القضية.

وفي الخلفية، تبرز علاقة صداقة وثيقة بين لينش وزوجة خان، ألاجندرا، التي استخدمها لينش لاحقًا في التأثير على قرارات خان المتعلقة ببياناته وتحقيقاته. ورغم نفي الأطراف المعنية وجود مؤامرة، فإن الأدلة المتوفرة تشير إلى تواطؤ داخلي وخارجي لخنق ملف فلسطين داخل المحكمة الجنائية الدولية، وضرب الرجل الذي تجرأ على تحدي “الاستثناء الإسرائيلي”.

خاتمة: من أجل العدالة.. لا بد أن يُفتح التحقيق المضاد

ما تكشفه هذه الحملة الممنهجة ضد كريم خان ليس فقط محاولة لتشويهه، بل جريمة ضد مبدأ العدالة نفسه. إنها حملة استخدمت فيها الدول “الراعية للديمقراطية” أدوات الترهيب والتشويه والفضائح الأخلاقية لإسكات من يقترب من جريمة الاحتلال. والأخطر أن كثيرًا من ذلك تم داخل المحكمة نفسها، بأدوات من يُفترض أنهم حماة القانون.

إن ما حدث يدعو لفتح تحقيق دولي مضاد، ليس فقط في مدى صحة الاتهامات ضد خان، بل في استخدام تلك الاتهامات كأداة سياسية. وإذا لم يتم التصدي لهذا المسار، فإن كل مدّعٍ عام في المستقبل سيعرف أن العدالة مكلفة، وقد تكون مدمّرة له شخصيًا.

اقرأ أيضًا : فشل أدوات الضغط الإسرائيلية في غزة.. حين ارتدت العصا على صاحبها