كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب منح رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، “الضوء الأخضر” لتنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد قطاع غزة، تستهدف احتلاله بالكامل وإنهاء وجود حركة المقاومة الإسلامية حماس.
هذا التطور المقلق يُعَدُّ نقطة تحول خطيرة في الحرب الإسرائيلية على غزة المستمرة منذ أكثر من 660 يومًا، ويعكس التورط الأميركي المباشر في تمكين جرائم الحرب والإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين.
بحسب الصحيفة، فإن القيادة الإسرائيلية ترى أن حماس “لا ترغب بالتوصل إلى صفقة” بشأن تبادل الأسرى، ما دفع تل أبيب لتصعيد تهديداتها، رغم عدم انعقاد المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) بعد بث مقاطع مصورة لأسرى الاحتلال في قبضة المقاومة. ومع ذلك، فإن محيط نتنياهو يؤكد أن القرار السياسي بات جاهزًا للذهاب نحو احتلال كامل للقطاع، في ما اعتُبر تمهيدًا لتنفيذ خيار الأرض المحروقة، بدعم ضمني من ترامب.

ترامب.. ضوء أخضر لإبادة ممنهجة
إن ما كشفته يديعوت أحرونوت يعيد إلى الواجهة الدور الأميركي الخطير، ليس فقط في دعم الاحتلال السياسي والعسكري، بل في التحريض المباشر على استخدام أقصى درجات العنف والإبادة. فترامب، الذي سبق وأن نقل السفارة الأميركية إلى القدس واعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، لم يكن مجرد رئيس يتبنى السياسة الإسرائيلية، بل كان شريكًا في تنفيذها.
“الضوء الأخضر” الذي منحه ترامب، وفق الصحيفة، لنتنياهو لا يُعد دعمًا دبلوماسيًا فحسب، بل هو تفويض ضمني بارتكاب المجازر وارتكاب جرائم حرب جديدة على غرار ما وثقته تقارير الأمم المتحدة في الحرب الحالية: تدمير مستشفيات، قتل المدنيين عمدًا، واستهداف طواقم الإغاثة.
دور ترامب في هذا السياق لا يمكن فصله عن تاريخه السياسي الداعم لليمين المتطرف حول العالم، وارتباطه بالتحريض على الكراهية والعنصرية. ومن المؤسف أن هذه السياسات ما تزال تجد صدى داخل أروقة الحكم في إسرائيل، خاصة مع حكومة نتنياهو المتطرفة التي تضم شخصيات متهمة بالتحريض على التطهير العرقي.
نتنياهو يصعّد.. والجيش يعارض
وفق الصحيفة، فإن مقربين من نتنياهو يؤكدون أن قرار احتلال غزة قد اتُّخذ، وأن الجيش يستعد لتنفيذ عمليات تشمل المناطق التي يُعتقد بوجود رهائن إسرائيليين فيها. لكن الصحيفة لم تستبعد أن تكون هذه التصريحات مجرد تكتيك تفاوضي هدفه الضغط على المقاومة، خاصة في ظل الأزمة الداخلية التي تعصف بالمستويين السياسي والعسكري في إسرائيل.
هذه الخطوة، إن تحققت، ستنقل العدوان من حالة القصف المتقطع إلى اجتياح شامل قد يؤدي إلى سقوط آلاف الضحايا الفلسطينيين، خاصة في ظل التحذيرات الأممية من مجاعة حقيقية في القطاع وانهيار المنظومة الصحية.
لكن اللافت في تقرير الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي نفسه أبدى تحفظًا على هذه الخطوة. حيث أشارت إلى أن هناك معارضة داخلية لتوسيع العملية، وأن رئيس الأركان إيال زامير قد يرفض الاستمرار في منصبه إن تم فرض هذه الخطة عليه. بل إن بعض المسؤولين المقربين من نتنياهو قالوا بصراحة: “إذا لم يكن هذا مناسبًا لرئيس الأركان، فليستقل”.
هذه الأزمة تكشف عن فجوة خطيرة بين القيادة السياسية التي تسعى للهروب من أزماتها الداخلية، وعلى رأسها اتهام نتنياهو بجرائم حرب وفساد، وبين المؤسسة العسكرية التي تدرك أن احتلال غزة لن يكون نزهة، بل قد يتحول إلى مستنقع جديد يستنزف الدولة العبرية لعقود.
الفشل الاستخباري والرهائن المجهولون
خلال أكثر من 660 يومًا من الحرب، فشل جيش الاحتلال الإسرائيلي في تحديد أماكن احتجاز جنوده الأسرى لدى المقاومة. ورغم تنفيذ عشرات المحاولات العسكرية والاستخبارية، لم يتمكن من تحرير أي رهينة، بل كانت معظم عملياته تؤدي إلى سقوطهم قتلى بنيران صديقة أو خلال اشتباكات.
هذا الفشل يُعد مؤشرًا خطيرًا على ضعف القدرات الاستخباراتية الإسرائيلية في غزة، ويؤكد أن خيار الاجتياح الشامل لن يحقق الأهداف المرجوة، بل سيفاقم الخسائر العسكرية والبشرية.
وفي ظل هذا العجز، يبدو أن نتنياهو يستخدم خطاب “الاحتلال الكامل” كأداة ضغط سياسي داخلي، أو كوسيلة لتغطية فشله في إدارة ملف الأسرى والضغط الشعبي المتزايد عليه في الداخل الإسرائيلي.
لكن حتى لو كان الهدف مجرد مناورة تفاوضية، فإن تصريحات كهذه تُترجم ميدانيًا إلى تصعيد وتدمير ومجازر بحق المدنيين، في ظل آلة إعلامية غربية تتواطأ بصمتها، أو تبرر “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، بينما تغض الطرف عن مشاهد المجاعة وتقطيع أوصال الأطفال في غزة.
واشنطن وتل أبيب.. شراكة في الجريمة
في ضوء هذه التسريبات، تتضح ملامح المرحلة القادمة من العدوان على غزة، وهي مرحلة أكثر دموية وعنفا، تُنفذ بأدوات إسرائيلية لكن بضوء أخضر أميركي. وما لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل جاد لمحاسبة المسؤولين عن هذه السياسات، وفي مقدمتهم ترامب ونتنياهو، فإننا سنكون أمام كارثة إنسانية جديدة.
أمام هذا الواقع، يُطرح السؤال الأخلاقي: إلى متى ستظل الولايات المتحدة تمارس دور “الراعي المجرم”، وإلى متى سيظل العالم يعتبر ضوء ترامب الأخضر إشارة عبور لآلة القتل الإسرائيلية؟
اقرأ أيضًا : اعتصام أمام السفارة المصرية في تونس رفضاً لغلق معبر رفح.. وناشطون يتوعدون بالتصعيد