في مشهد يعكس عمق التدهور الحقوقي الذي تعيشه مصر في عهد عبد الفتاح السيسي، كشفت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان في تقرير حديث، عن واقعة جديدة من الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها وزارة الداخلية بحق مواطنين مصريين، حتى بعد وفاتهم. 

إذ ترفض السلطات تسليم جثماني شابين تم تصفيتهما قبل نحو شهر، في واقعة تثير كثيراً من علامات الاستفهام حول سياسة “الإخفاء بعد الموت” التي تنتهجها الأجهزة الأمنية.

وزارة الداخلية ترفض تسليم الجثامين: القتل بلا نهاية

بحسب التقرير، فإن الشابين أحمد محمد عبد الرازق غنيم، وإيهاب عبد اللطيف محمد عبد القادر، تم تصفيتهما برصاص قوات الأمن قبل شهر كامل، إلا أن وزارة الداخلية ترفض حتى الآن تسليم جثمانيهما إلى ذويهما، دون أي مبرر قانوني، ودون أي تواصل رسمي مع أسرهم. ورغم مرور 30 يوماً على وقوع الجريمة، لم تُعلن النيابة العامة أي نتائج أو توضح سياق الوفاة أو أسباب احتجاز الجثث.

هذا التعنت ليس مجرد إجراء بيروقراطي، بل هو انتهاك صارخ للمادة 60 من الدستور المصري، التي تنص على حرمة الجسد حتى بعد الوفاة، وتحظر أي شكل من أشكال التنكيل أو الإخفاء أو التمثيل بالجثث. كما أنه يعد مخالفًا لأبسط قواعد القانون الجنائي الذي يوجب إخطار أهل المتوفى، وإجراء تحقيق طبي وشرعي شفاف، وتسليم الجثمان لدفنه بما يليق بكرامة الإنسان.

لكن تحت سلطة عبد الفتاح السيسي، لا كرامة للمعتقلين، لا أحياء ولا أموات.

الإخفاء القسري مستمر.. والانتقام يطال عائلات الضحايا

الفضيحة لم تقف عند احتجاز الجثامين، بل امتدت إلى معاقبة أسر الشابين. إذ أكد التقرير أن والدة الشاب أحمد غنيم تعرضت للإخفاء القسري منذ 7 يوليو 2025، بعد أن داهمت قوة أمنية منزلهم في محافظة الشرقية، وأخذتها إلى جهة غير معلومة دون مذكرة اعتقال أو توجيه أي اتهام.

أما عائلة إيهاب عبد اللطيف، فقد طالتها آلة البطش ذاتها، إذ اعتُقل والداه بشكل تعسفي، ولا يزالان قيد الاحتجاز حتى اليوم دون عرضهِما على أي جهة تحقيق أو معرفة مكان وجودهما، في مشهد يعكس سياسة العقاب الجماعي التي تتبعها الأجهزة الأمنية ضد أسر من يُتهمون بالانتماء إلى تيارات معارضة.

إنها ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الجرائم التي تُنفذ تحت مظلة “محاربة الإرهاب”، بينما تتحول الدولة إلى غابة لا قانون فيها، وتُعامل الأسر كرهائن في معركة سياسية قذرة.

السيسي ونظامه.. حين يتحول القمع إلى “أسلوب حكم”

منذ انقلاب 2013، استقرّ نهج عبد الفتاح السيسي على القتل خارج إطار القانون، والإخفاء القسري، والحرمان من الحقوق الأساسية، بوصفها أدوات ثابتة في التعامل مع أي معارضة أو حتى تعبير سلمي عن الرأي.

لكن الجديد اليوم، بحسب تقرير الشبكة الحقوقية، أن السلطات باتت تتعامل مع جثث الضحايا كأوراق ضغط إضافية، أو أدوات لفرض الصمت على الأسر، عبر الابتزاز أو التخويف أو حتى الإخفاء. وهذا السلوك لا يُعبّر فقط عن طبيعة بوليسية وحشية، بل يُمثل انحداراً خطيراً في احترام القيم الإنسانية والدستورية.

والمثير للدهشة، أنه لم تصدر أي بيانات رسمية توضح مكان احتجاز الجثامين، أو أسباب تأخير تسليمهما، أو حتى تفاصيل العملية التي قُتل فيها الشابان. بل تأخر الإعلان الرسمي عن مقتلهما 13 يوماً بعد الواقعة، ما يشير إلى محاولات محتملة لإخفاء أدلة، أو المساومة على الجثامين، أو تمرير رواية أمنية مفبركة.

ماذا تطالب الشبكة؟ ولماذا يجب أن يُفتح تحقيق دولي؟

طالبت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان بـ:

  1. تسليم الجثمانين فوراً لذويهما وفقاً للإجراءات القانونية والدينية.
  2. الإفراج عن المختفين قسرياً من أسر الشابين، ووقف أي ملاحقة تعسفية لهم.
  3. فتح تحقيق شفاف ومستقل حول أسباب القتل واحتجاز الجثامين.
  4. ضمان حماية أسر الضحايا من أي انتقام لاحق عند طلب تسلُّم الجثامين.

لكن الأهم من ذلك هو أن تتدخل الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان، لأن الأجهزة القضائية والأمنية في مصر باتت شريكة في هذه الجرائم، بل وتؤدي دوراً محورياً في التستر عليها.

إن ما يحدث لا يمكن تصنيفه إلا كجريمة ممنهجة ضمن سياسة “الإرهاب الرسمي” الذي يمارسه النظام ضد مواطنيه، ويجب أن يُعرض أمام المحكمة الجنائية الدولية كجزء من ملف انتهاكات السيسي بحق الإنسانية.

الخاتمة: دولة الرعب لا تكتفي بالقتل.. بل تُخفي الموتى

في بلد يحكمه جنرال جاء على ظهر دبابة، لم يعد مستغرباً أن تتحول الجنازات إلى جرائم، والأمهات إلى مختفيات قسرياً، والآباء إلى معتقلين بلا تهمة. إن مصر اليوم ليست فقط ساحة لتكميم الأفواه، بل ساحة لدفن الحقيقة نفسها، حتى بعد موت أصحابها.

في ظل صمت المجتمع الدولي، وتواطؤ جهات التحقيق، وتمييع القوانين، يُواصل السيسي بناء دولة “الخوف المطلق”، حيث لا يعرف المواطن ما إذا كان سيُقتل أو يُعتقل أو يُغيَّب — هو أو أحد أفراد أسرته — لمجرد أنه سأل: أين جثمان ابني؟

اقرأ أيضًا : طلعات تجسسية فوق غزة: التورط البريطاني الخفي في دعم الاحتلال الإسرائيلي