في مشهدٍ يعكس عمق المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في قطاع غزة، لم تعد الطائرات التي تلقي المساعدات من الجو رمزًا للأمل، بل صارت في نظر كثيرين “طائرات موت”، بعدما تحولت تلك العمليات إلى سبب مباشر في مقتل وجرح مدنيين، وتدمير خيام النازحين ومنازلهم، وفق ما أكدته وزارة الداخلية الفلسطينية في غزة.
ففي بيان صدر الأربعاء، دقت الوزارة ناقوس الخطر بشأن هذه الآلية “الإنسانية”، محذرة من أن ما يبدو حلًا إسعافيًا عاجلًا، يُستخدم –في حقيقة الأمر– ضمن سياسة “هندسة التجويع” التي تنتهجها دولة الاحتلال الإسرائيلي، لفرض واقع مجاعة وفوضى خانقة في القطاع المنكوب.
وبينما تواصل إسرائيل إغلاق المعابر البرية منذ مارس الماضي، وتمنع دخول المساعدات الإنسانية رغم تكدسها على الحدود، تبدو عمليات الإنزال الجوي وكأنها رشّة ماء على نارٍ مشتعلة، بل إن آثارها –وفق ما يوثّق البيان– تفوق منفعتها، بعدما أودت بحياة عدد من المدنيين، كان آخرهم في شمال غزة صباح اليوم ذاته.
أداة فوضى لا نجاة.. الاحتلال يستخدم الإسقاط لتعزيز الانهيار
الداخلية الغزّية لم تكتفِ بوصف عمليات الإسقاط الجوي بالقاتلة، بل ذهبت أبعد من ذلك، لتؤكد أن جيش الاحتلال يستغلها ضمن خطة ممنهجة لخلق حالة من الفوضى والنهب، وتغذية بيئة الانهيار المجتمعي.
ففي ظل الجوع والانقطاع التام للمساعدات البرية، يتدافع آلاف المدنيين فور رؤية مظلات الهبوط، أملاً في الإمساك بكيس طحين أو وجبة جاهزة. غير أن تلك اللحظات تشهد وقوع إصابات خطيرة، نتيجة السقوط المباشر للطرد من الجو أو التدافع الشديد بين الجوعى. ولعل الأسوأ، أن بعض تلك المساعدات تسقط فوق خيام النازحين أو منازلهم، ما يؤدي إلى خسائر في الأرواح والممتلكات.
البيان يشير إلى أن هذه “الفوضى المصنوعة”، تصب في مصلحة الاحتلال الذي يسعى إلى تفتيت النسيج المجتمعي وإشعال فتيل الفوضى الداخلية، بينما يتذرّع بتقديم تسهيلات إنسانية وهمية. إنها باختصار، هندسة تجويع تقودها تل أبيب، وتشارك فيها –عن علم أو جهل– الدول التي تساهم في الإسقاط الجوي.
مسؤولية عربية وغربية.. والبديل واضح
وبينما تواصل الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تسيير طائرات المساعدات الجوية، متجاهلة نداءات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية التي اعتبرت هذا المسار “غير كافٍ ومكلف بشكل غير منطقي”، فإن البيان الصادر عن وزارة الداخلية في غزة يحمل نبرة أكثر وضوحًا واتهامًا.
فقد طالبت الوزارة صراحةً بوقف عمليات الإسقاط الجوي، وفتح المعابر البرية فورًا باعتباره السبيل الوحيد الكفيل بإنقاذ حياة الجوعى، لا سيما وأن المعابر يمكنها إدخال مئات الشاحنات يوميًا، مقارنة بالطرد القليل الذي تحمله كل مظلة، بتكلفة تزيد 100 ضعف، بحسب ما أكده المفوض العام لوكالة الأونروا فيليب لازاريني.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من يمنع فتح المعابر؟ الجواب معروف ومكرر.. إنها دولة الاحتلال التي تخنق غزة منذ سنوات، وتمنع تدفق الغذاء والدواء في خرق صارخ للقانون الدولي. لكن الأمر الأخطر، هو الصمت العربي تجاه هذه الجريمة، بل تواطؤ بعض الأنظمة مع الحصار القائم، عبر صفقات سياسية أو مالية، أو حتى من خلال الصمت المتواطئ.
فلماذا لا نرى تحركًا مصريًا جديًا –مثلاً– لفتح معبر رفح بشكل دائم؟ وأين الضغط الأردني الحقيقي؟ ولماذا تصمت السعودية والإمارات عن حصار يهدد بإبادة شعب بأكمله؟ أليست هذه الدول قادرة على فرض ممر آمن للمساعدات من خلال ضغوطها الإقليمية والدولية؟ أم أن التواطؤ بات سياسة رسمية مغطاة بشعارات التضامن الإعلامي الفارغ؟
خاتمة: معركة المساعدات ليست إنسانية فقط.. إنها سياسية بامتياز
في نهاية المطاف، لا يمكن فصل كارثة غزة الإنسانية عن سياقها السياسي الأشمل. فالمجتمع الدولي الذي يتغنى بحقوق الإنسان، لا يُجبر الاحتلال على فتح المعابر، ولا يفرض حظرًا جويًا على قصف المستشفيات أو قوافل الإغاثة. وعلى العكس، نرى واشنطن ترسل الطائرات التي تلقي الفتات من الجو، بينما تموّل آلة الحرب التي تقتل الآلاف من الجو والبر والبحر.
إن عمليات الإسقاط الجوي ليست مجرد محاولة فاشلة للإغاثة، بل أداة سياسية بامتياز، تخدم خطاب الاحتلال عن “تقديم التسهيلات”، وتشتت الأنظار عن أصل المشكلة: الاحتلال، الحصار، والتواطؤ الإقليمي والدولي.
أما صوت غزة، فيصرخ عبر بيان وزارة الداخلية: “أوقفوا هذه المسرحية القاتلة.. دعونا نحصل على مساعداتنا من المعابر، لا من السماء التي سقط منها الموت بدلًا من الحياة”.
اقرأ أيضًا : الجنرال دومبويا يضع حداً لنهب الإمارات: غينيا تسحب امتياز تعدين البوكسيت من “الإمارات العالمية للألمنيوم”