أعلنت مصر وإسرائيل عن صفقة جديدة لزيادة كميات الغاز الإسرائيلي المصدّرة إلى مصر، في خطوة تُعيد إلى الواجهة ملفًا شائكًا يمتد منذ عام 2018، حين بدأت القاهرة في استيراد الغاز من تل أبيب.

ورغم أن التسويق الرسمي لهذه الصفقات ركّز على جعل مصر منصة إقليمية لتسييل الغاز وإعادة تصديره إلى أوروبا، إلا أن الواقع العملي خلال السنوات الماضية كشف عن تحولات عميقة جعلت الغاز الإسرائيلي مكوّنًا مباشرًا في شبكة الطاقة المصرية، بما يحمله ذلك من فرص اقتصادية ومخاطر استراتيجية.

خلفية الصفقة

  • البداية: أول عقد توريد عام 2018، ثم زيادة الكميات في 2019.

  • الرواية الرسمية: الغاز الإسرائيلي يمر عبر محطتي إدكو ودمياط للتسييل بهدف التصدير للأسواق الأوروبية، ما يعزز تموضع مصر كمركز إقليمي للطاقة.

  • التحذيرات المبكرة: تقديرات مؤسسات دولية أكدت أن الاكتفاء الذاتي المصري من الغاز لن يستمر طويلًا، وأن القاهرة قد تعود للاستيراد بعد 5 سنوات، وهو ما تحقق بالفعل خلال العامين الماضيين.

الأخطاء الاستراتيجية المبكرة

  1. صفقة طويلة الأجل مع طرف في بيئة جيوسياسية متوترة: على خلاف المعايير المعتادة في أسواق الطاقة، حيث تعقد الصفقات طويلة الأمد بين شركاء تربطهم علاقات مستقرة.

  2. إمكانية استخدام الغاز كسلاح ضغط سياسي على مصر.

  3. ربط أمن الطاقة المصري بأمن الطاقة الإسرائيلي، بحيث تؤثر أي تهديدات لمنصات الغاز في إسرائيل مباشرة على مصر.

  4. غياب بدائل سريعة: وقت توقيع الصفقة لم تكن لدى مصر بنية تحتية لاستيراد الغاز المسال إذا انقطعت الإمدادات.

حرب غزة.. تحذيرات تتحقق

  • الحرب على غزة كشفت هشاشة الوضع: توقف الإمدادات الإسرائيلية بالكامل لمدة 12 يومًا خلال الحرب مع إيران، بحجة المخاطر الأمنية أو الصيانة أو زيادة الطلب المحلي الإسرائيلي.

  • الانقطاع تسبب في أزمات كهرباء وانهيار إنتاج صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الحديد والأسمدة والبتروكيماويات.

أرقام تكشف حجم الاعتماد

  • العجز الحالي في الغاز المصري: نحو 2 مليار قدم مكعب يوميًا.

  • الوارد من إسرائيل: حوالي 1 مليار قدم مكعب يوميًا (20% من الفجوة، و15% من إنتاج الكهرباء في مصر).

  • الصناعات الكبرى تعتمد بالكامل تقريبًا على الغاز الطبيعي، ما يجعل أي انقطاع في الإمدادات ضربة مباشرة للاقتصاد.

كيف يمكن لمصر أن تتحوط؟

  • التوسع في استيراد الغاز المسال عبر تطوير البنية التحتية وتوفير 4 سفن تغويز في موانئ السخنة ودمياط والعقبة.

  • التعاقد على 155–160 شحنة غاز مسال لتلبية احتياجات 2024.

  • هذه الإجراءات توفر لمصر قدرة نظرية على سد الفجوة دون الغاز الإسرائيلي، لكن يتطلب ذلك وقتًا وتنسيقًا في سوق عالمي تنافسي.

الصفقة الجديدة.. زيادة الاعتماد رغم التحوط

  • الصفقة تعني كميات إضافية من الغاز الإسرائيلي، ما يستلزم بنية تحتية جديدة مثل خط نيتسانا البري عبر النقب وسيناء، نظرًا لأن خطوط العريش–عسقلان والخط العربي تعمل بالفعل بكامل طاقتها.

  • التوسعة تعتمد على تطوير حقل ليفياثان في إسرائيل، وهي أعمال تعطلت لأكثر من سنتين بفعل الحرب على غزة.

المعادلة المعقدة

  • الرهان المصري: الاستفادة من الغاز الإسرائيلي الأقل تكلفة مقارنة بالغاز المسال، مع إمكانية تصدير الفائض لأوروبا.

  • المخاطرة: بقاء إسرائيل ممسكة بأداة ضغط استراتيجية قادرة على إحداث أزمات كهرباء وصناعية في مصر لعدة أشهر قبل أن تتمكن القاهرة من تعويض النقص عبر الغاز المسال.

صفقات الغاز مع إسرائيل لم تعد مجرد اتفاقيات تجارية، بل تحولت إلى ملف أمني–استراتيجي يمس مباشرة أمن الطاقة المصري والسيادة الوطنية.

ورغم أن القاهرة اتخذت خطوات مهمة لتنويع مصادر الغاز وتقليل الاعتماد على إسرائيل، فإن الصفقة الجديدة تعني عمليًا زيادة الارتباط بمصدر محفوف بالمخاطر الجيوسياسية.

وفي بيئة إقليمية قابلة للاشتعال في أي لحظة، يبقى امتلاك بدائل فعلية ومرنة لإمدادات الطاقة شرطًا أساسيًا لتجنب أن يتحول الغاز إلى أداة ابتزاز سياسي واقتصادي.