يشهد السودان موجة جديدة وخطيرة من تفشي وباء الكوليرا، إذ أعلنت وزارة الصحة، الثلاثاء، تسجيل 2627 إصابة جديدة خلال أسبوع واحد فقط، بينها 50 حالة وفاة، لترتفع الحصيلة الإجمالية منذ أغسطس/آب 2024 إلى 99,756 إصابة، من بينها 2475 وفاة، في جميع ولايات البلاد.

وقبل أيام، كانت الوزارة قد سجلت 2345 إصابة و21 وفاة في أسبوع واحد، ما يكشف سرعة انتشار المرض وتفاقم الأزمة الصحية في ظل غياب أي مؤشرات على السيطرة عليه.

تأتي هذه التطورات في ظل استمرار الحرب المدمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي أدت إلى انهيار شبه كامل في البنية التحتية الصحية، وانقطاع الإمدادات الطبية، وتراجع حاد في التمويل المخصص للمساعدات الإنسانية. 

منظمة الصحة العالمية حذّرت من أن الوضع ينذر بكارثة غير مسبوقة، مشيرة إلى أن نحو 770 ألف طفل دون سن الخامسة معرضون هذا العام لخطر سوء التغذية الحاد، وهو ما يجعلهم أكثر هشاشة أمام الأمراض القاتلة كالكوليرا.

الإمارات ودور الحرب في صناعة الكارثة

ورغم أن الكوليرا مرض مرتبط أساسًا بتلوث المياه وسوء الصرف الصحي، فإن جذور تفشيه في السودان تعود إلى بيئة الحرب والحصار، التي كان للإمارات دور بارز في إذكائها. فوفقًا لتقارير ميدانية وأممية، تورطت أبوظبي في دعم وتسليح قوات الدعم السريع، وهي الجهة المسؤولة عن حصار مناطق مدنية في دارفور وكردفان ومنع دخول المساعدات، ما أدى إلى انهيار شبكات المياه والصرف الصحي وانتشار القاذورات في الشوارع ومخيمات النازحين.

هذا السلوك – الذي يرقى إلى جريمة حرب وفق القانون الدولي – حوّل الأوبئة إلى نتيجة حتمية للحرب. فمنع المياه النظيفة عن ملايين السودانيين لا يقل فتكًا عن الرصاص والقصف، بل إنه يقتل ببطء ويضاعف المأساة عبر موجات من الأمراض المعدية. وبذلك، تصبح الكوليرا اليوم جزءًا من استراتيجية الإبادة الجماعية غير المباشرة، التي تتقاطع مع أهداف الإمارات في إضعاف السودان وتفكيكه لصالح نفوذها الإقليمي ومشاريعها الاقتصادية.

تأثيرات تتجاوز حدود السودان

في تطور مقلق، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين عن تسجيل إصابات بالكوليرا في مخيم “دوقي” للاجئين السودانيين الفارين من إقليم دارفور، الواقع في شرق تشاد.

وقال باتريس أهوانسو، منسق المفوضية، في إفادة صحفية بجنيف، إن عمليات إعادة توطين اللاجئين من المناطق الحدودية مع السودان تم تعليقها مؤقتًا للحد من انتشار المرض، محذرًا من أن غياب التدخل العاجل لتوفير المياه النظيفة والرعاية الصحية والصرف الصحي يهدد حياة الآلاف.

هذا الانتشار عبر الحدود يعكس حقيقة أن الكوليرا لا تعترف بالجغرافيا، وأن فشل احتوائها في السودان سيضع دول الجوار – مثل تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا – أمام تحديات صحية طارئة، خصوصًا في ظل ضعف أنظمتها الصحية هي الأخرى. كما يهدد ذلك بظهور بؤر وبائية جديدة قد تتطلب استجابة إقليمية ودولية عاجلة.

حصار غذائي وصحي متكامل

منظمة الصحة العالمية أكدت أن العنف المستمر دفع المنظومة الصحية السودانية إلى حافة الانهيار، ما جعل من المستحيل تقريبًا توفير مياه شرب آمنة أو صيانة شبكات الصرف الصحي. وفي مناطق عدة، خاصة في مخيمات النزوح، يضطر السكان لاستخدام مياه ملوثة أو مكدسة بالقمامة، وهي بيئة مثالية لانتشار الكوليرا.

هذا الواقع ليس معزولًا عن حرب الحصار التي تمارسها قوات الدعم السريع، بدعم إماراتي، إذ يجري منع دخول قوافل الإغاثة أو إفراغها من محتوياتها، وفرض قيود على المنظمات الإنسانية، ما يضاعف من معاناة السكان.

ويحذر خبراء الصحة من أن الجمع بين الحصار الغذائي وانتشار الأمراض يخلق “حلقة موت مزدوجة”، حيث يؤدي سوء التغذية إلى إضعاف جهاز المناعة، فيما تمنح الكوليرا وغيرها من الأوبئة الضربة القاضية لضحايا باتوا عاجزين عن المقاومة.

تداعيات سياسية وإنسانية

إن تفشي الكوليرا على هذا النطاق يضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد لمدى جديته في حماية المدنيين السودانيين. فالإدانات اللفظية لم تعد تكفي، بل يتطلب الأمر ضغوطًا سياسية واقتصادية على الدول الداعمة للحرب، وفي مقدمتها الإمارات، لوقف توريد السلاح وإنهاء الحصار المفروض على المدن والقرى.

كما أن استمرار الصراع يهدد بتدمير أي جهود لاحتواء الوباء، إذ لا يمكن فصل العمل الصحي عن الاستقرار الأمني والسياسي. ولهذا، فإن أي خطة لمواجهة الكوليرا يجب أن تدمج بين توفير الرعاية الصحية العاجلة وإعادة تشغيل البنية التحتية، وبين مسار سياسي يوقف الحرب ويضمن وصول المساعدات دون قيود.

خاتمة

ارتفاع إصابات الكوليرا في السودان، وتسجيل 50 وفاة في أسبوع واحد، ليس مجرد أزمة صحية عابرة، بل هو نتيجة مباشرة للحرب والحصار وسياسات الإجرام التي تتداخل فيها الأهداف العسكرية مع أدوات القتل غير المباشر.

الإمارات، بدعمها لقوات الدعم السريع، تتحمل جانبًا من المسؤولية عن خلق بيئة تتيح للأوبئة أن تنتشر وتفتك بالمدنيين، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن مضاعفًا – موتًا سريعًا بالقصف أو بطيئًا عبر الجوع والمرض.

إن مواجهة الكارثة تتطلب تحركًا عاجلًا، ليس فقط على مستوى المساعدات الطبية، بل أيضًا على مستوى محاسبة الأطراف التي جعلت من الكوليرا سلاحًا آخر في حرب لا ترحم.

اقرأ أيضًا : غوتيريش يطالب بتحقيق مستقل في اغتيال 6 صحفيين بغزة: جريمة جديدة في سجل الاحتلال