كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية في تقرير موسّع عن تحركات دبلوماسية مكثفة يقودها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، المقرّب من الرئيس رجب طيب أردوغان، بهدف عرقلة أي مسار للتقارب بين دمشق وتل أبيب، مع السعي لملء الفراغ الذي قد يتركه الانسحاب الإيراني من الساحة السورية بنفوذ تركي متزايد. 

وتصف الصحيفة فيدان بأنه أحد أكثر الشخصيات تشددًا تجاه إسرائيل، بل أكثر صرامة من أردوغان نفسه، ما يجعله – من وجهة النظر الإسرائيلية – عقبة صلبة أمام أي محاولات لإعادة الدفء للعلاقات التركية – الإسرائيلية.

تحركات ميدانية ودبلوماسية مركّزة في دمشق

بحسب التقرير، فإن فيدان، الذي تولى لسنوات منصب رئيس جهاز الاستخبارات التركي قبل انتقاله إلى وزارة الخارجية عام 2023، يجمع في تحركاته الحالية بين خبرة العمل الاستخباراتي ووزن العمل الدبلوماسي. وقد زار دمشق مؤخرًا لإجراء محادثات مع الرئيس أحمد الشرع – المقرّب من أنقرة – في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اتصالات سرية بين النظام السوري ومسؤولين إسرائيليين، بينها لقاء وزير الخارجية السوري في باريس مع رون ديرمر، المقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وتشير الصحيفة إلى أن مهمة فيدان في دمشق مزدوجة: أولًا، إقناع القيادة السورية الجديدة بعدم الانجرار نحو أي مسار تطبيع مع حكومة نتنياهو، وثانيًا ترسيخ موقع تركيا كحليف رئيسي لدمشق، في إطار استراتيجية تهدف إلى إحلال النفوذ التركي محل النفوذ الإيراني المتراجع، مع إبقاء الأكراد في شمال سوريا تحت ضغط مستمر.

العلاقة مع أردوغان.. إعداد لخلافة محتملة

تعود علاقة فيدان بأردوغان إلى مطلع العقد الماضي، حين منحه الرئيس التركي الثقة المطلقة في إدارة جهاز الاستخبارات، ورفض مرارًا انتقاله إلى مواقع وزارية مدنية قبل أن يقرر في 2023 أن الوقت قد حان لتعيينه في وزارة الخارجية. ويصف التقرير فيدان بأنه “ظل أردوغان” أو “مهندس الملفات السرية”، مشيرًا إلى أن أردوغان – البالغ 71 عامًا – يدربه ليكون خليفته المحتمل في القصر الرئاسي، رغم أن فيدان يفتقر للكاريزما السياسية التي يتمتع بها الرئيس، ويلتزم بإظهار الولاء الكامل له في كل مناسبة.

من منظور إسرائيلي، فإن انتقال السلطة في تركيا من أردوغان إلى فيدان – إن حدث – لن يُخفف من التوتر القائم، بل قد يعمقه، نظرًا لتشدد مواقف فيدان إزاء إسرائيل. وينقل التقرير عن خبير الشؤون التركية الدكتور حاي إيتان يانروجيك قوله إن “تحسن العلاقات مع أنقرة لن يكون ممكنًا في عهد أردوغان، ولن يصبح أسهل إذا خلفه فيدان”.

الملف الفلسطيني.. حماية حماس على الأراضي التركية

لا تقتصر أولوية فيدان على الملف السوري – الإسرائيلي، بل تشمل كذلك توفير الحماية السياسية والأمنية لقيادة حركة حماس على الأراضي التركية.

وتشير الصحيفة إلى أن مكتبه في أنقرة يستقبل بانتظام قيادات الحركة، مثل خليل الحية القادم من قطر أو من عواصم عربية أخرى، وسط ضمانات تركية بعدم تعرضهم لمحاولات اغتيال أو اعتقال من قبل إسرائيل داخل الأراضي التركية.

هذا الدعم، وفقًا للرؤية الإسرائيلية، يعزز صورة فيدان كأحد أبرز المعارضين لوجود إسرائيل في المنطقة، وهو ما يعكسه تصريحاته الأخيرة التي زُعم أنه قال فيها إن “إسرائيل يجب أن تختفي”.

الهاجس الإسرائيلي.. فيدان كلاعب إقليمي معرقل

تحتفظ إسرائيل بذاكرة متوترة تجاه فيدان، خاصة في ظل رئاسته للاستخبارات، حيث اتهمته في الماضي بتسريب معلومات حساسة إلى إيران. واليوم، مع توليه حقيبة الخارجية، تعتبره تل أبيب “لاعبًا إشكاليًا” في أي مسار للتطبيع مع تركيا أو لفتح قنوات مع دمشق.

التقرير أورد مثالًا على هذه الحساسية من خلال اضطرار الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ إلى اتخاذ مسار طيران أطول خلال زيارة إلى شمال أوروبا، بسبب تعليمات أمنية بعدم التحليق في الأجواء التركية، في مؤشر على عمق القطيعة الأمنية بين الجانبين.

استراتيجية أنقرة: منع تقسيم سوريا وإبعاد إسرائيل

في لقائه الأخير مع الرئيس السوري، عرض فيدان تصورًا تركيًا يرى أن إسرائيل تسعى لتمزيق سوريا من الداخل إلى كيانات طائفية وعرقية، تشمل مناطق للسنة والأكراد والدروز. وأكد أن أنقرة لن تسمح – خيرًا كان أم شرًا – بوجود إسرائيلي فاعل داخل الأراضي السورية.

كما شدد على رفض أي تقارب بين دمشق والأكراد شمال البلاد، في وقت أشارت تقارير إلى استعداد بعض الفصائل الكردية لتسليم أسلحتها، وهو ما تعتبره تركيا فرصة لتعزيز سيطرتها على الشريط الحدودي ومنع أي ترتيبات قد تمنح الأكراد نفوذًا سياسيًا أو عسكريًا مستقلًا.

خاتمة: فيدان بين طموح الزعامة ومهمة العرقلة

في ظل التحولات الإقليمية المعقدة، يبرز هاكان فيدان كأحد الفاعلين البارزين في صياغة السياسة التركية تجاه سوريا وإسرائيل. بالنسبة لأنقرة، هو رجل المهمات الصعبة الذي يجمع بين الحنكة الاستخباراتية والحضور الدبلوماسي، وبالنسبة لتل أبيب، هو عقبة أمام أي تقارب محتمل، وخصم عنيد يسعى لتكريس معادلة إقليمية تُبعد إسرائيل عن حدود تركيا وسوريا.

ومع استمرار أردوغان في إعداد فيدان كخليفة محتمل، يبدو أن الدور الذي يلعبه اليوم في كواليس السياسة الإقليمية قد يكون مجرد مقدمة لدور أكبر بكثير في مستقبل المنطقة.

اقرأ أيضًا : وفد من حماس في القاهرة… مفاوضات هدنة الستين يوما بين التعقيدات السياسية والرهانات الإقليمية