في تطور مثير أثار جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، تداول نشطاء مقطعا مسربا لحديث حاد بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، وسفير القاهرة في هولندا عماد حنا، بشأن واقعة قيام أحد الشباب بوضع قفل على باب السفارة المصرية في لاهاي، احتجاجا على إغلاق معبر رفح ومنع وصول المساعدات إلى غزة. 

المشهد المسرب لم يكن مجرد نقاش إداري، بل عكس عقلية صدامية في إدارة الأزمات، وطرح أسئلة حول منهج تعامل الخارجية المصرية مع انتقادات الشارع ومظاهر الغضب الشعبي.

تفاصيل التسريب: توتر واتهامات بالتقصير

في المقطع، ظهر وزير الخارجية المصري وهو يوبخ السفير بلهجة شديدة، معتبرا أن ما جرى في لاهاي يمثل إخفاقا أمنيا ودبلوماسيا، وأنه شجع آخرين على محاولة تكرار الأمر في دول أخرى. عبد العاطي أشار إلى أن “كافة الأجهزة في مصر مستاءة مما حدث”، وأنه سبق أن أكد على ضرورة التعامل بحزم مع أي محاولة للاقتراب من أبواب السفارات.

السفير بدوره دافع عن أداء طاقمه، موضحا أن السفارة المصرية في هولندا كانت أول من تعرض لهذه الظاهرة، وأنها تتصدى لمحاولات شبه يومية، رغم أن لديها ثلاثة حراس أمن فقط. وكشف أنه اضطر لسحب الحراسة من مقر إقامته لتأمين مبنى السفارة، منتقدا في الوقت ذاته ضعف تجاوب السلطات الهولندية مع طلبات زيادة التأمين.

“سنعاملهم بالمثل”.. سياسة المعاملة بالمثل في الميدان

رد الوزير كان حاسما، إذ أعلن أن القاهرة سترد بخفض الحراسة على السفارة الهولندية في القاهرة، مضيفا: “إذا تحدث إليك أحد هناك عن التخفيف اديله على دماغه”. العبارة، التي بدت أقرب لأسلوب الشارع منها إلى لغة الدبلوماسية، أثارت موجة من السخرية والانتقاد على مواقع التواصل، حيث اعتبرها البعض دليلا على “عسكرة” العمل الدبلوماسي، وتعامل الدولة بمنطق التهديد المتبادل بدل الحوار.

عبد العاطي شدد أيضا على أن الهدف من هذه الأفعال هو تصوير مصر “كدولة منتهكة مغلوب على أمرها”، وهو ما وصفه بأنه أمر “غير مقبول”، داعيا إلى ردع أي شخص يحاول الاقتراب من حرم السفارات المصرية، حتى لو اقتضى الأمر الإمساك به بالقوة داخل السفارة واستدعاء الشرطة.

تصعيد دبلوماسي ورد فعل أوروبي

وفق تصريحات لاحقة للوزير، فإن مصر استدعت سفراء عدد من الدول الأوروبية التي شهدت اعتداءات أو محاولات تعطيل أمام سفاراتها، وأبلغتهم بضرورة الالتزام بحماية البعثات الدبلوماسية المصرية، محذرة من أن أي تقصير سيفتح الباب لإجراءات مقابلة في القاهرة.

هذه السياسة، التي يصفها عبد العاطي بأنها تطبيق لحق مشروع وفق القوانين الدولية، دفعت بعض العواصم الأوروبية لتعزيز الحراسة على السفارات المصرية، إما استجابة مباشرة لضغوط القاهرة أو عبر تنسيق عاجل لاحتواء الأزمة. لكن منتقدين يرون أن هذا النهج يعكس توترا مفرطا، ويضع صورة مصر الدبلوماسية في خانة “المتشدد والمتوجس”، بدلا من “المحاور الفاعل”.

البعد السياسي: من رفح إلى لاهاي

الواقعة تأتي في سياق حساس، إذ يشهد الشارع العربي، والمصري تحديدا، حالة غضب متزايد إزاء استمرار إغلاق معبر رفح في ظل العدوان الإسرائيلي على غزة. إغلاق المعبر، الذي يعد المنفذ الوحيد لسكان القطاع نحو العالم الخارجي، أصبح رمزا لتواطؤ القاهرة في نظر معارضي سياساتها، الأمر الذي انعكس في أشكال احتجاجية رمزية مثل وضع الأقفال على أبواب السفارات.

هكذا، فإن الحادثة في لاهاي ليست مجرد خرق أمني، بل تعبير سياسي عن رفض سياسات الحكومة المصرية تجاه القضية الفلسطينية. رد فعل الوزير الغاضب، الذي تم تسريبه، يعكس أن القيادة المصرية تدرك البعد الرمزي لهذه التحركات، وتخشى من تكرارها بشكل يحرج النظام دوليا.

لغة القوة أم أزمة صورة؟

اللافت في التسريب هو اللغة المستخدمة من قبل وزير الخارجية، والتي بدت أقرب لخطاب “البلطجة السياسية” منه إلى خطاب العمل الدبلوماسي. تعبيرات مثل “اديله على دماغه” أو التهديد بخفض الحراسات على سفارات دول أخرى، تحمل رسائل مزدوجة: من جهة، إظهار الحزم وعدم التساهل مع أي انتهاك، ومن جهة أخرى، إظهار عقلية صدامية قد تضر بصورة مصر كدولة تحترم الأعراف الدولية.

منتقدو الوزير يرون أن مثل هذه المواقف، عندما تُسرب للرأي العام، ترسخ انطباعا عن إدارة البلاد بمنطق القوة الغاشمة، وتبتعد عن أدوات الإقناع وكسب التعاطف الدولي. في المقابل، يدافع أنصار الحكومة عن النهج المتشدد باعتباره ضروريا لحماية هيبة الدولة وردع أي محاولات لاختبار قدرتها على حماية بعثاتها.

خاتمة: بين التسريب والواقع

التسريب الأخير لبدر عبد العاطي يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول صورة الدبلوماسية المصرية في عهد السيسي، وكيف توازن بين حماية مصالحها في الخارج والتعامل مع انتقادات الشارع. الحادثة تسلط الضوء أيضا على أن أزمات السياسة الخارجية لمصر باتت تتقاطع بشكل مباشر مع قضايا داخلية، مثل ملف غزة ومعبر رفح، وأن أي مشهد رمزي أمام سفارة قد يتحول إلى إحراج دولي إذا لم تتم معالجته بحساسية.

في النهاية، قد يرى البعض في التسريب دليلا على أن القاهرة باتت تفضل “سياسة القبضة الحديدية” حتى في العمل الدبلوماسي، بينما يراه آخرون مؤشرا على حالة انعدام الثقة مع الشارع ورفض أي تعبير عن الاحتجاج، حتى لو كان سلميا ورمزيا. وبين هذا وذاك، تبقى صورة “وزير بدرجة بلطجي” العنوان الأبرز الذي اختاره الشارع المصري لهذه الواقعة، في مفارقة تكشف حجم الفجوة بين لغة السلطة وتوقعات المجتمع.

اقرأ أيضًا : الحوثيون يقصفون 4 أهداف إسرائيلية.. هجمات تكشف هشاشة الاحتلال