في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الاحتلال الإسرائيلي الدموي، كشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أنّ قوات الاحتلال دمّرت خلال ستة أيام فقط نحو 600 منزل في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، مستخدمة مزيجًا من القصف الجوي، والتفجيرات بالروبوتات المفخخة، إلى جانب حصار الأحياء عبر الطائرات المسيّرة.

وأثار هذا العدوان موجة تحذيرات دولية ومحلية من أنّ الاحتلال يمهّد الطريق لارتكاب “مذابح جماعية” بحق المدنيين في حال استكمال مخططه للسيطرة الكاملة على مدينة غزة.

 

تدمير ممنهج.. أحياء تُمحى من الخريطة

وفق المرصد، بدأت العملية في 11 أغسطس/ آب الجاري، حيث ركّز جيش الاحتلال على تفجير المباني السكنية بشكل منظم باستخدام وسائل تفجير آلية، في مقدمتها روبوتات محملة بالمتفجرات. هذا النمط من التدمير، كما يقول البيان، لا علاقة له بأي ضرورة عسكرية، إذ لم تسجل المنطقة اشتباكات مسلحة تُبرّر تدمير هذا الكم الهائل من المنازل. بل على العكس، العملية جاءت بعد إخلاء المنازل من سكانها، ما يكشف عن نية الاحتلال الواضحة في إزالة مقومات الحياة ودفع عشرات الآلاف من السكان نحو النزوح القسري.

وقد أدى القصف والتفجيرات إلى نزوح أكثر من 90 ألف مواطن من سكان الحي، الذي يُعدّ أكبر أحياء غزة مساحة وأكثرها كثافة سكانية. هؤلاء وجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى، وسط ظروف إنسانية قاسية، ومخاوف متزايدة من أنّ هذه السياسة لا تقتصر على الزيتون وحده، بل هي نموذج لسياسة “الأرض المحروقة” التي ينتهجها الاحتلال منذ أشهر.

سياسة تهجير قسري وإبادة بطيئة

المرصد شدّد على أنّ ما يجري في حي الزيتون يندرج ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى استكمال جريمة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين. فالتدمير الشامل للمنازل والبنية التحتية لا يهدف فقط إلى إخضاع المنطقة عسكريًا، بل إلى إزالة الأحياء الفلسطينية من الوجود، واستبدالها بمناطق عازلة أو قواعد عسكرية دائمة تضمن للجيش الإسرائيلي السيطرة على المدينة ومنع عودة السكان إليها.

هذا المخطط، بحسب تقارير حقوقية، ينسجم مع أهداف الاحتلال المعلنة في “اليوم التالي للحرب”، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض وقائع ديموغرافية جديدة عبر تهجير أكثر من مليون فلسطيني نحو جنوب القطاع، في مناطق محدودة المساحة لا تتوافر فيها أدنى مقومات الحياة. وهو ما وصفته مؤسسات حقوقية بـ”التطهير العرقي التدريجي”، الذي يُمارَس عبر أدوات الإبادة البطيئة: القصف، التهجير، التجويع، وحرمان الناس من المساعدات.

“حماس”: حرب إبادة بدعم أمريكي

في السياق نفسه، حذرت حركة المقاومة الإسلامية حماس من أنّ العدوان على حي الزيتون ليس سوى حلقة جديدة في حرب الإبادة المستمرة منذ نحو عامين. وأوضحت الحركة أنّ الاحتلال يستخدم مزيجًا من الطائرات الحربية، والمدفعية الثقيلة، والروبوتات المتفجرة لتدمير الحي بشكل كامل. كما حمّلت الحركة الإدارة الأمريكية المسؤولية المباشرة، بعد أن وفّرت الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل عبر الدعم اللامحدود بالسلاح والمال، مؤكدة أن واشنطن تتحمّل وزر الجرائم التي تُرتكب بحق الفلسطينيين، وأن التاريخ لن يغفر لها شراكتها في هذه الحرب الوحشية.

ودعت حماس المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية إلى التحرّك الفوري لوقف ما وصفته بـ”المخطط الإجرامي” الرامي إلى تحويل غزة إلى أطلال، مؤكدة أنّ الصمت الدولي شجّع الاحتلال على المضي في جرائمه بلا حساب.

تحذيرات من “مذابح جماعية”

التحذير الأخطر جاء على لسان المرصد الأورومتوسطي، الذي اعتبر أنّ استكمال إسرائيل لخطتها العسكرية الرامية إلى إحكام السيطرة الكاملة على مدينة غزة ينذر بوقوع مذابح جماعية غير مسبوقة. فمع نزوح عشرات الآلاف من المدنيين، وغياب أي ممرات آمنة أو بنية تحتية قادرة على استيعابهم، فإن أي هجوم موسع على المناطق التي يتكدّسون فيها قد يحوّلها إلى مقابر جماعية في ساعات معدودة.

هذه المخاوف تعززها سوابق الاحتلال في مجازر جباليا، الشجاعية، رفح، وخان يونس، حيث لم يتورع عن قصف مدارس وملاجئ تابعة للأمم المتحدة، أو استهداف قوافل إغاثة، تحت ذرائع واهية. واليوم، يبدو أنّ حي الزيتون على وشك الانضمام إلى قائمة المجازر، ما لم يتوقف المجتمع الدولي عن سياسة الصمت أو الاكتفاء ببيانات القلق.

جريمة مستمرة وسط صمت دولي

ما يجري في حي الزيتون يكشف بوضوح طبيعة الاحتلال الذي لا يتردد في تسخير التكنولوجيا الحديثة للقتل والتدمير، سواء عبر الطائرات المسيّرة أو الروبوتات المفخخة. هذه الوسائل التي يُفترض أن تُستخدم لتقليل الخسائر البشرية في النزاعات، تحولت في يد الجيش الإسرائيلي إلى أداة لتسريع الإبادة، عبر تفجير الأحياء بعد إخلائها، في رسالة واضحة مفادها: “لن يكون لكم مكان للعودة”.

في المقابل، يقف العالم عاجزًا أو متواطئًا. فبينما تحذر منظمات حقوقية من انهيار ما تبقى من البنية الإنسانية في غزة، تواصل بعض القوى الكبرى تزويد الاحتلال بالأسلحة والذخائر، ضاربة عرض الحائط بالقوانين الدولية واتفاقيات جنيف. وهنا تكمن المأساة: جرائم حرب موثقة بالصوت والصورة، تُرتكب على مرأى العالم، من دون رادع أو محاسبة.

خاتمة: الزيتون شاهد جديد على الإبادة

حي الزيتون، الذي كان يومًا نابضًا بالحياة، يتحول اليوم إلى كومة من الركام. آلاف العائلات فقدت منازلها، وأطفال يُشرَّدون تحت القصف، فيما تتعالى التحذيرات من أن القادم قد يكون أشد فتكًا. جريمة الاحتلال في الزيتون ليست معزولة، بل جزء من مخطط إبادة شامل يستهدف غزة بأكملها. والمأساة الأكبر أنّ هذا المخطط يُنفّذ وسط صمت عالمي، قد يجعل التاريخ يكتب أنّ القرن الحادي والعشرين شهد إبادة جماعية على الهواء مباشرة، دون أن يتحرك العالم لوقفها.

اقرأ أيضًا : الخيام في غزة تتحول إلى “أفران”.. الحر الشديد يفاقم مأساة الفلسطينيين