في خطوة غير مألوفة داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية، فجّرت النائبة الجمهورية مارجوري تايلور غرين جدلاً واسعاً بعد إعلانها رفضها “السكوت” عن ما وصفته بـ”الإبادة الجماعية” التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين.
هذه التصريحات، التي نشرتها غرين على منصّة “إكس”، تعكس انقساماً متنامياً داخل المجتمع والسياسة الأمريكية بشأن دعم إسرائيل غير المشروط في حربها المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

غضب من تمويل حرب لا تخص الأمريكيين
أشارت غرين إلى أن الولايات المتحدة تقدّم 3.8 مليارات دولار سنوياً كمساعدات عسكرية لإسرائيل، ما يعني أن كل دافع ضرائب أمريكي يسهم بشكل مباشر في العمليات العسكرية التي تحصد أرواح آلاف الفلسطينيين. وقالت بلهجة حادة: “لا أريد أن أدفع ثمن إبادة جماعية في بلد أجنبي ضد شعب أجنبي بسبب حرب لم يكن لي أي علاقة بها”.
هذا الموقف يسلط الضوء على جدل داخلي قديم متجدد في أمريكا: هل يحق للإدارة الأمريكية الاستمرار في إنفاق مليارات الدولارات سنوياً على إسرائيل، بينما يعاني المواطن الأمريكي من أزمات اقتصادية متفاقمة؟ فبينما تدافع المؤسسة السياسية التقليدية عن الدعم باعتباره “التزاماً استراتيجياً”، يرى معارضون مثل غرين أن واشنطن صارت شريكاً مباشراً في جريمة حرب، وهو ما يضع الولايات المتحدة في مواجهة متزايدة مع الرأي العام العالمي ومع جزء من ناخبيها.
ازدواجية المعايير الأمريكية
ذكّرت غرين متابعيها بتناقض الموقف الأمريكي: ففي الوقت الذي يتحدث فيه الساسة في واشنطن بتعاطف مع “ضحايا السابع من أكتوبر” في إسرائيل، يتجاهلون آلاف الضحايا الفلسطينيين الذين يقتلون يومياً تحت القصف الإسرائيلي. وسألت بمرارة: “إذا كنا قد تكلمنا نيابة عن الإسرائيليين وأهاليهم، فكيف لا يتكلم الأمريكيون نيابة عن الأبرياء والأطفال في غزة؟”.
هذا الخطاب يعكس أزمة أعمق في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط: فالإدارة الأمريكية لطالما تبنّت خطاب “حقوق الإنسان” كأداة ضغط ضد خصومها، بينما تغض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة لإسرائيل. وبهذا، تتجلى أمام العالم صورة مزدوجة: واشنطن المدافع عن “الحرية” من جهة، والشريك في “الإبادة” من جهة أخرى.
مجازر متكررة تدحض أكاذيب الاحتلال
تزامنت تصريحات غرين مع مجزرة إسرائيلية جديدة ارتكبها جيش الاحتلال في منطقة المواصي غرب خانيونس، التي يُفترض أنها “منطقة آمنة”. فقد قصفت الطائرات الإسرائيلية خيام النازحين في منطقة أصداء، مما أسفر عن استشهاد 12 مدنياً معظمهم من النساء والأطفال، وذلك بعد ساعات من قصف مماثل أودى بحياة أم وأربعة أطفال.
هذا النمط من الاستهداف يعكس سياسة متكررة: دفع المدنيين للنزوح ثم استهدافهم في أماكن لجوئهم، ما يدحض تماماً مزاعم الاحتلال بوجود “ممرات إنسانية” أو “مناطق آمنة”. وفي المقابل، تكتفي الإدارة الأمريكية بترديد تصريحات جوفاء حول “ضبط النفس” دون ممارسة أي ضغط فعلي على تل أبيب.
حصيلة كارثية واتهامات بالإبادة
منذ اندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، خلّفت الهجمات الإسرائيلية على غزة أكثر من 62 ألف شهيد و157 ألف جريح، إضافة إلى 9 آلاف مفقود، بينما أودت المجاعة المتعمدة بحياة 281 شخصاً بينهم 114 طفلاً. هذه الأرقام المفزعة جعلت العديد من المنظمات الحقوقية الدولية –بما فيها خبراء أمميون– يصفون ما يحدث في غزة بأنه “إبادة جماعية مكتملة الأركان”.
لكن اللافت أن غرين، وهي نائبة من الحزب الجمهوري المعروف تقليدياً بولائه المطلق لإسرائيل، صارت أول عضو جمهوري في الكونغرس يعلن صراحةً أن ما يجري إبادة جماعية، في خرق واضح للإجماع الحزبي التقليدي.
ارتدادات داخلية على السياسة الأمريكية
تصريحات غرين قد لا تُترجم فوراً إلى تغيير في سياسة واشنطن، لكنها تُعبّر عن شرخ متزايد في الساحة الأمريكية، خاصة في ظل الضغوط الشعبية المتنامية من طلاب الجامعات وحركات الحقوق المدنية التي تنظم احتجاجات متكررة ضد الدعم الأمريكي لإسرائيل. كما أن هذه المواقف قد تشكّل مادة انتخابية ضاغطة في عام 2024، حيث يُتوقع أن يستغل الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء ملف غزة لكسب الأصوات أو لمهاجمة خصومهم.
في المقابل، يرى مراقبون أن إدارة بايدن ستظل أسيرة لوبيات الضغط الموالية لإسرائيل مثل “إيباك”، التي تتحكم بشكل واسع في مفاصل السياسة الخارجية الأمريكية. ومع ذلك، فإن مجرد صدور هذه التصريحات من شخصية مثل غرين يعني أن جدار الصمت داخل الكونغرس بدأ يتصدع.
دعم أمريكي متواصل رغم الجرائم
ورغم تصاعد الانتقادات، تواصل واشنطن تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخائر، وتعرقل أي قرارات دولية لوقف إطلاق النار أو محاسبة الاحتلال. وهو ما يضعها في موقع الشريك المباشر في الجرائم. هذه الحقيقة دفعت بعض الأصوات –مثل غرين– إلى التحذير من أن التاريخ سيحاسب الولايات المتحدة كما حاسب أنظمة شاركت أو صمتت عن مجازر سابقة.
خاتمة: بداية تحول أم موقف معزول؟
قد يُنظر إلى موقف مارجوري تايلور غرين كـ”حالة فردية” داخل الحزب الجمهوري، لكنه في الوقت ذاته إشارة قوية على أن الإجماع الأمريكي التقليدي حول دعم إسرائيل بدأ يتآكل. ومع استمرار المجازر اليومية وارتفاع كلفة الحرب سياسياً وإنسانياً، قد يجد الساسة الأمريكيون أنفسهم أمام ضغط شعبي متزايد لا يمكن تجاهله.
ويبقى السؤال: هل ستظل الولايات المتحدة شريكاً كاملاً في الإبادة الجماعية عبر تمويلها وتسليحها لإسرائيل، أم أن أصوات مثل غرين ستتوسع لتصبح بداية منعطف حقيقي في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط؟
اقرأ أيضًا : ترامب يحرض على إبادة غزة: المحتجزون “سيكونون بأمان” تحت قصف الاحتلال