لم تمرّ احتجاجات الاتحاد العام التونسي للشغل الأخيرة مرور الكرام، إذ وجدت صداها هذه المرة في واشنطن. فقد شنّ السيناتور الأميركي الجمهوري جو ويلسون هجوماً حاداً على الرئيس التونسي قيس سعيّد، متوعّداً تونس بمصير مشابه لما شهدته سوريا، وهو تصريح أثار موجة رفض عارمة داخل البلاد وخارجها.

وبينما يرى معارضو سعيّد أن هذه التصريحات تكشف هشاشة وضعه الداخلي وتراجع شعبيته، يتمسك أنصاره بخطاب السيادة الوطنية ورفض أي تدخل أجنبي. هكذا تحوّل تصريح فردي إلى جدل واسع حول موقع تونس في السياسة الدولية وحول شرعية الحكم القائم.

خلفيات الهجوم الأميركي وتكراره

السيناتور ويلسون ليس جديداً على انتقاد تونس ورئيسها. فقد دعا سابقاً إلى وقف المساعدات الأميركية بذريعة “الانقلاب على المسار الديمقراطي”، متعهداً بالضغط داخل الكونغرس لخفض التمويل المخصص لتونس. تصريحاته الأخيرة، التي شبّهت الوضع التونسي بسوريا، أعادت النقاش حول خلفيات مواقفه: هل هي مجرد نزعة شخصية ذات طابع استعراضي كما يرى بعض المراقبين، أم انعكاس لمزاج أوسع في دوائر أميركية غير راضية عن سياسات سعيّد، خاصة منذ أن اتخذ خطوات وُصفت بالانفرادية منذ 25 يوليو 2021؟

ويلسون معروف بتبنيه مواقف مثيرة للجدل في ملفات دولية أخرى، ما جعل جزءاً من النخب التونسية يعتبر أن تعليقاته لا تمثل السياسة الرسمية لواشنطن. لكن في المقابل، هناك من يرى أن تصريحات من هذا النوع قد تُستخدم أحياناً كـ”جس نبض” أو رسائل غير مباشرة تُمرّر عبر شخصيات برلمانية نافذة.

الردود التونسية: رفض قاطع للتدخل

ردود الفعل التونسية كانت سريعة وحادة. فقد أصدر الاتحاد العام التونسي للشغل بياناً أكد فيه رفضه “أي توظيف لتحركاته من أجل التدخل في الشأن الوطني”. أما حزب التيار الشعبي فذهب أبعد، واعتبر أن تصريحات ويلسون تندرج ضمن حملة تحريضية تقودها “دوائر استعمارية وإسرائيلية” مستفيدة من أطراف داخلية فقدت نفوذها بعد قرارات سعيّد في 2021.

من جانبها، وصفت النائب فاطمة المسدي ويلسون بأنه “داعم لمشاريع التقسيم والإرهاب السياسي”، فيما شدد النائب علي زغدود في رسالة مفتوحة أن “تونس ليست ساحةً للوصاية ولا تقبل أن يُرسم مستقبلها من وراء البحار”. هذه الردود تعكس إجماعاً سياسياً نادراً بين أطراف عادة ما تكون مختلفة، لكن تقاطعت مواقفها هذه المرة عند رفض التدخل الخارجي.

أزمة شرعية داخلية تكشفها التصريحات

لكن خلف هذا الإجماع الرسمي، يظلّ الجدل قائماً حول شرعية الحكم في تونس. إذ يرى معارضو الرئيس أن تصريحات السيناتور الأميركي لم تكن لتلقى زخماً كبيراً لو لم يكن سعيّد في موقع هش داخلياً. فبعد أربع سنوات تقريباً على وصوله إلى السلطة، يعيش النظام حالة من العزلة الداخلية مع تراجع شعبيته واتساع دائرة الغضب الاجتماعي، ما يجعل أي تصريح خارجي يكتسب وزناً مضاعفاً.

منتقدو سعيّد يذهبون إلى القول إن رئيساً “لا يستمد حكمه من إرادة شعبية حقيقية بل من القمع والأوامر الاستثنائية”، يصبح عرضةً لمثل هذه المواقف الدولية. وهنا تكمن المفارقة: فبينما يدّعي سعيّد أنه يقف في مواجهة “المؤامرات الخارجية”، يرى خصومه أن تلك المؤامرات تجد طريقها بسبب غياب الشرعية الديمقراطية والاحتواء الداخلي.

البعد الجيوسياسي للعلاقة مع واشنطن

لا يمكن قراءة تصريحات ويلسون بعيداً عن العلاقة المعقدة بين تونس والولايات المتحدة. فمنذ 2011، ظلت واشنطن أحد أبرز الداعمين للتحول الديمقراطي في تونس. لكن بعد قرارات سعيّد في 25 يوليو 2021، اتجهت العلاقات نحو الفتور، خاصة مع تزايد الانتقادات الأميركية بشأن حقوق الإنسان والحريات.

غير أن لقاء وزير الخارجية التونسي محمد النفطي بوفد من الكونغرس قبل أيام، وتصريحات الخارجية التونسية حول “أهمية تعزيز العلاقات الثنائية”، توحي بأن هناك حرصاً رسمياً من الجانبين على احتواء الخلافات. ما يعزز فرضية أن تصريحات ويلسون ليست تعبيراً مباشراً عن موقف الإدارة الأميركية بقدر ما هي جزء من جدل سياسي داخلي في واشنطن.

تحليل: رسالة ضغط أم انعكاس ضعف؟

يرى محللون أن ما جرى يمكن اعتباره رسالة ضغط مزدوجة: من جهة اختبار لقدرة الرئيس التونسي على الصمود أمام الانتقادات الخارجية، ومن جهة أخرى تذكير للسلطات بأن غياب المسار الديمقراطي سيُبقي تونس عرضة للانتقادات والضغوط.

المحللة السياسية أحلام العبدلي أوضحت أن تصريحات ويلسون “موقف شخصي لا يمثل الإدارة الأميركية”، لكنها لم تستبعد أن تكون جزءاً من ديناميكية أوسع للضغط على النظام القائم. وأضافت أن السيناتور يعمل ضمن لوبيات ضغط دولية تدفع باتجاه تصورات “الشرق الأوسط الجديد” القائمة على التفتيت وإعادة رسم الحدود، ما يجعل خطابه يتجاوز تونس إلى رسالة إقليمية.

خاتمة: أزمة سيادة أم أزمة شرعية؟

الجدل الذي أثاره تصريح سيناتور أميركي ربما ينتهي سريعاً على المستوى الدبلوماسي، لكنه يترك أسئلة مفتوحة داخل تونس: هل نحن أمام أزمة سيادة خارجية أم أمام أزمة شرعية داخلية تجعل البلاد عرضة لأي تدخل لفظي أو سياسي من الخارج؟

في النهاية، يظلّ المؤكد أن رئيساً يفتقد الاحتضان الشعبي ويستمد سلطته من القمع والقرارات الفردية، سيظل هدفاً سهلاً للانتقادات الدولية. وبينما تحاول السلطة التونسية الدفاع عن سيادتها، فإن معركتها الحقيقية تبقى في الداخل: استعادة ثقة الشارع وإعادة بناء شرعية قائمة على المشاركة، لا على الخوف.

اقرأ أيضًا : موجة موت بطيء خلف القضبان.. هل تتحول السجون المصرية إلى مقابر جماعية؟