في خطوة تكشف مأزق الاحتلال الإسرائيلي بعد مرور ما يقرب من عامين على حربه المفتوحة ضد قطاع غزة، خرج رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير بتصريحات تهديدية استهدفت قادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” في الخارج، ملوّحاً بتنفيذ اغتيالات تطال أسماء بارزة مثل خالد مشعل، موسى أبو مرزوق، أسامة حمدان، وخليل الحية. 

جاءت هذه التهديدات على خلفية إعلان الاحتلال اغتيال الناطق العسكري لكتائب القسام “أبو عبيدة”، الذي مثل على مدى سنوات رمزاً للحرب النفسية والمقاومة الإعلامية الفلسطينية.

اغتيال “أبو عبيدة”.. رواية الاحتلال وتناقضاته

منذ الساعات الأولى لإعلان وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس عن “اغتيال أبو عبيدة” في قصف جوي بغزة، بدا واضحاً أن الرواية الإسرائيلية لا تحمل سوى مزاعم متضاربة. فبينما وصفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العملية بـ”الإعدام المثالي”، تناقلت وسائل إعلام عبرية أخرى شكوكاً حول صحة الخبر، في ظل غياب صور أو دلائل تثبت تصفية الرجل الذي ظل مطارَداً منذ انتفاضة الأقصى.

أبو عبيدة لم يكن مجرد متحدث عسكري، بل كان تجسيداً لصوت المقاومة، وصاحب الخطاب الأكثر تأثيراً في الوعي الإسرائيلي منذ عملية “طوفان الأقصى”. خطابه الأخير حول استمرار عمليات القنص ضد الجنود الإسرائيليين جاء ليؤكد أن الرجل كان لا يزال فاعلاً قبل أيام قليلة من إعلان الاحتلال تصفيته، ما يعزز فرضية أن التهويل جزء من المعركة الإعلامية الموازية للعدوان.

من غزة إلى الخارج.. استراتيجية “رأس الأفعى”

إعلان زامير أن “اليد لا تزال ممدودة” ضد قيادات حماس في الخارج، يعكس بوضوح فشل استراتيجية الاغتيالات داخل غزة. فمنذ بداية الحرب، اغتالت إسرائيل قادة ميدانيين بارزين مثل محمد الضيف ومروان عيسى، إلا أن كتائب القسام لم تنهَر، بل واصلت إطلاق الصواريخ وعمليات الكمائن.

لذلك، انتقل الاحتلال إلى استراتيجية “قطع الرأس” خارج الحدود، في محاولة لإرباك البنية السياسية للحركة وخلق شعور دائم بالخطر بين قياداتها المقيمين في الدوحة أو بيروت أو إسطنبول. غير أن التجارب السابقة، مثل محاولة اغتيال خالد مشعل في عمّان عام 1997، انتهت بفشل مدوٍّ وفضيحة سياسية دولية، ما يجعل التهديد الحالي أقرب إلى استعراض قوة إعلامية منه إلى خطة واقعية.

المأزق الإسرائيلي.. حكومة نتنياهو في العراء

ما لا يمكن إنكاره هو أن هذه التهديدات تأتي في ظل أزمة داخلية غير مسبوقة تعصف بحكومة نتنياهو. فإسرائيل لم تنجح في تحقيق أهدافها المعلنة: القضاء على حماس، تحرير الأسرى، أو إعادة احتلال غزة بشكل كامل. بل على العكس، تحولت المعركة إلى مستنقع سياسي وعسكري واقتصادي، مع تصاعد الانتقادات الدولية لحرب الإبادة وتراجع ثقة الداخل الإسرائيلي في قيادته.

صحيفة “إسرائيل اليوم” نفسها اعترفت بأن “الأنظار تحولت من غزة إلى قيادة حماس في الخارج”، وهو ما يعني عملياً أن الاحتلال يقر بعجزه عن كسر المقاومة داخل القطاع. هذا العجز هو الذي يدفع نتنياهو وزامير وكاتس إلى إطلاق تصريحات “نارية” للتغطية على فشلهم في الميدان، ولإرضاء اليمين المتطرف الذي يطالب بمزيد من الدماء.

براعة المقاومة.. بين الرمزية والتجذّر الشعبي

من جانب آخر، ردود الأفعال الفلسطينية والعربية على إعلان استشهاد أبو عبيدة، إن صحّ، جاءت لتؤكد أن المقاومة أكبر من الأشخاص. فالرجل الذي حيكت حوله هالة رمزية خلال العقدين الماضيين ليس إلا واحداً من سلسلة طويلة من القادة الذين قدّموا أرواحهم دفاعاً عن فلسطين.

الإعلامي أحمد منصور لخص هذه الحقيقة بقوله: “فلسطين ولادة، وهناك ألف أبو عبيدة في الطريق”. وهي حقيقة يعكسها الواقع الميداني، إذ رغم سقوط معظم قادة الصف الأول في غزة، لم تتوقف العمليات النوعية، ولم تفقد المقاومة زمام المبادرة.

بين الحرب النفسية والفشل العملياتي

اللافت أن الاحتلال يصر على تصوير اغتيال “أبو عبيدة” كإنجاز استراتيجي، في حين أن الواقع يقول عكس ذلك. فالحرب النفسية التي مارسها الرجل، عبر بيانات القسام المتلفزة، نجحت في زعزعة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، إلى درجة أن استطلاعات الرأي أظهرت فقدان ثقة الجمهور بحكومة نتنياهو والجيش.

إن قتل أبو عبيدة – إذا صح – لا يعني نهاية هذا الأثر النفسي، بل قد يعمّق صورة إسرائيل كدولة عاجزة لم تتمكن من النيل منه طوال ربع قرن، إلا بعد حرب إبادة شاملة لم تحقق شيئاً.

الخلاصة: إفلاس سياسي وعسكري

التهديد باغتيال قادة حماس في الخارج يكشف عن إفلاس حكومة نتنياهو سياسياً وعسكرياً. فبدلاً من تقديم إنجازات ملموسة، تلجأ القيادة الإسرائيلية إلى خطاب التهديد والترهيب، وكأنها تحاول إقناع جمهورها بوجود “خطط بديلة” بعد فشل استراتيجيتها في غزة.

لكن الحقيقة تبقى أن المقاومة رسخت حضورها على الأرض، وأن كل قائد تستهدفه إسرائيل يولد بدلاً عنه عشرات من القادة والمقاتلين الذين يرون في طريق الشهادة قدراً محتوماً. وهكذا، تتحول سياسة الاغتيالات من وسيلة لردع الخصم إلى دليل دامغ على عجز الاحتلال عن تحقيق أهدافه، فيما تبقى غزة شاهداً على أن المقابر الحقيقية ليست لقادة المقاومة، بل لأوهام الصهيونية.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يعلن استعادة جثتين من غزة بعد “عمليات خاصة”