في خطوة وصفتها أوساط إسرائيلية بأنها “مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر”، أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، الأربعاء، بدء عملية “عربات جدعون 2” بهدف السيطرة الكاملة على مدينة غزة بعد تطويقها وإجبار سكانها على النزوح.
يأتي ذلك بعد الفشل الذريع للعملية الأولى التي امتدت بين 16 أيار/مايو و6 آب/أغسطس 2024، والتي عجزت عن تحقيق أهدافها المعلنة وعلى رأسها القضاء على المقاومة الفلسطينية واستعادة الأسرى.

عملية عسكرية وسط مجاعة خانقة
العملية الجديدة تأتي في ظل ظروف إنسانية غير مسبوقة يعيشها القطاع، إذ يواصل الاحتلال إغلاق جميع المعابر منذ 2 آذار/مارس الماضي، ما أدى إلى دخول غزة في أتون مجاعة خانقة. ورغم تكدس آلاف الشاحنات عند المعابر، لم يسمح الاحتلال سوى بدخول كميات محدودة من الإغاثة “لا تكفي الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة”. وتعرضت الشحنات لعمليات نهب منظمة من قبل عصابات محلية، أكدت حكومة غزة أنها تعمل تحت الحماية الإسرائيلية، في مشهد يجسد سياسة التجويع كأداة حرب جماعية.
إلى جانب ذلك، سجّلت الجهات الفلسطينية وفاة 367 شخصاً بسبب الجوع ونقص التغذية، بينهم 131 طفلاً، فيما يواجه مئات الآلاف من النازحين ظروفاً مأساوية في مراكز الإيواء والمخيمات العشوائية. ومع انقطاع الكهرباء والمياه ونقص الدواء، تحولت غزة إلى بيئة قاتلة يتساقط فيها السكان بصمت بعيداً عن عدسات الإعلام.
أهداف الاحتلال: تطويق وتهجير وتجريف
ميدانياً، أوكلت قيادة الاحتلال إلى الفرقة 162 مهمة التقدم من شمال غزة، بينما تتولى الفرقة 99 السيطرة على أحياء الزيتون والصبرة جنوباً، بهدف تطويق المدينة بالكامل. وتشمل الخطة فتح “ممر جنوبي غربي” لترحيل السكان قسراً نحو مناطق محددة في مواصي وجنوب القطاع، تمهيداً لمرحلة “تجريف الأراضي” وإقامة مناطق عازلة شاسعة. هذه الاستراتيجية تعكس محاولة تنفيذ تطهير عرقي ممنهج، يهدف إلى اقتلاع سكان غزة من أرضهم وتغيير الواقع الديمغرافي بالقوة.
صحيفة معاريف العبرية كشفت عن نية الجيش استدعاء نحو 60 ألف جندي احتياط لتعويض النقص في الشمال أو للمشاركة المباشرة في غزة، في حين سيتم تعزيز الوجود العسكري في الضفة الغربية لمواجهة احتمالات التصعيد هناك. هذا يعكس إصرار المؤسسة العسكرية على توسيع رقعة الاحتلال رغم التحديات الهائلة التي واجهتها خلال الأشهر الماضية.
فشل “عربات جدعون 1” وانتقادات داخلية
الفشل السابق للعملية الأولى “عربات جدعون” ما زال يلقي بظلاله الثقيلة على الجيش الإسرائيلي. فقد اعترف تقرير داخلي، كشفته القناة 12 العبرية، بأن العملية لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل أظهرت عجز الجيش عن القضاء على حماس أو تحرير الأسرى. بل على العكس، نجحت المقاومة في فرض معادلات جديدة وألحقت خسائر كبيرة بالقوات المهاجمة.
هذا الفشل أثار موجة انتقادات داخلية طالت طريقة إدارة الجيش للحرب. فخلال اجتماع المجلس الوزاري المصغر (الكابينت)، وجّه نتنياهو انتقاداً علنياً لقيادة الجيش، مطالباً بوقف ما أسماه “المؤتمرات الإعلامية المبالغ فيها”، معتبراً أنها تضر بالتماسك الداخلي وتكشف حجم التخبط. التسريبات العبرية أشارت أيضاً إلى أن الجيش حذّر مراراً من أن احتلال مدينة غزة لن يحقق حسماً عسكرياً، بل سيعرض حياة الأسرى الإسرائيليين للخطر، ولن ينجح دون فرض حكم عسكري شامل على كامل القطاع.
ورغم هذه التحذيرات، قرر المجلس الوزاري المضي في الخيار العسكري، متجاهلاً خيار صفقة تبادل الأسرى الذي وصفه رئيس الموساد ديدي برنياع بأنه “الخطة الوحيدة الواقعية”. هذه المفارقة تبرز عمق الانقسام بين المستويات السياسية والأمنية حول جدوى الاستمرار في الحرب.
حرب إبادة بدعم أمريكي وصمت دولي
منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، يشن الاحتلال حرب إبادة غير مسبوقة ضد غزة بدعم أمريكي كامل، ضارباً عرض الحائط قرارات الأمم المتحدة وأوامر محكمة العدل الدولية. فقد أسفرت الحرب حتى الآن عن استشهاد أكثر من 63 ألف و700 فلسطيني وإصابة نحو 161 ألفاً، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى جانب 9 آلاف مفقود لا تزال جثثهم عالقة تحت الأنقاض أو ملقاة في الشوارع. هذا بالإضافة إلى نزوح مئات الآلاف في ظروف إنسانية وصفتها المنظمات الدولية بأنها “الأسوأ في القرن الحالي”.
الجرائم الإسرائيلية اتخذت طابعاً شاملاً، شملت القتل الجماعي، التدمير الواسع للبنية التحتية، تهجير السكان قسراً، وسياسة التجويع. كلها ممارسات تندرج تحت بند “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية”، بل وتقترب من توصيف “الإبادة الجماعية” وفق القانون الدولي.
قراءة ختامية: إجرام يتجاوز حدود غزة
إطلاق عملية “عربات جدعون 2” وسط مجاعة خانقة وانتقادات داخلية يكشف عن تصميم الاحتلال على المضي في مشروع إبادة الشعب الفلسطيني وتفريغ قطاع غزة من سكانه. غير أن هذه المغامرة العسكرية تحمل بذور الفشل، مثل سابقتها، لأنها تتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا والمقاومة المتجذرة في وجدان الشعب الفلسطيني.
فبينما يظن الاحتلال أنه قادر على سحق غزة بالقوة، تتكشف الحقائق يوماً بعد يوم: أن حرب التجويع لن تُخضع الناس، وأن المجازر لن تمحو حق العودة، وأن تدمير المدن لن يقتل فكرة المقاومة. وما يعيشه الاحتلال اليوم من انقسام داخلي وانتقادات لاذعة لسياساته قد يكون مجرد مقدمة لانهيار أوسع، يضعه في مواجهة عزلة دولية متزايدة وغضب شعبي يتخطى حدود غزة ليهز صورته كدولة قائمة على الإجرام والعدوان.
اقرأ ايضًا : بريطانيا تعتقل ناشطين قبيل مظاهرة كبرى داعمة لفلسطين: تجريم التضامن وتواطؤ مع الإبادة