يواصل الاحتلال الإسرائيلي حربه المفتوحة على قطاع غزة عبر القصف الجوي والمدفعي وعمليات التوغل البري التي تحولت إلى سياسة يومية هدفها تدمير ما تبقى من الحياة في القطاع المحاصر. ففي ساعات الليل الأخيرة، دفعت قوات الاحتلال بروبوتات مفخخة لتفجير منازل المواطنين شرق بركة الشيخ رضوان بمدينة غزة، ما أدى إلى انهيار مبانٍ فوق رؤوس ساكنيها، وسط إطلاق نار مكثف من طائرات مسيرة على الحي المكتظ بالسكان. هذه الأساليب التي تجمع بين التكنولوجيا العسكرية الفتاكة والاستهداف العشوائي، تشير إلى أن الاحتلال لم يعد يكتفي بالقصف من الجو، بل يعتمد خطة “الأرض المحروقة” عبر التوغل ونسف البيوت لتهجير من تبقى من السكان.
وفي مناطق أخرى، استهدفت المدفعية الإسرائيلية تجمعات النازحين في خيامهم بغزة وخانيونس، ما أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، بينهم نساء وأطفال كانوا يبحثون عن مأوى آمن بعيدًا عن دائرة النار. إلا أن دائرة الموت، وفق شهادات الأهالي، لم تعد تُستثنى منها أي منطقة: منازل، مدارس، خيام، بل وحتى سيارات الإسعاف باتت أهدافًا “مشروعة” في قاموس جيش الاحتلال.

المجاعة كسلاح حرب
يترافق هذا القصف مع استمرار سياسة التجويع، التي تحولت إلى أداة رئيسية في الحرب. فمع إغلاق المعابر بشكل شبه كامل ومنع دخول الغذاء والدواء، تحولت غزة إلى سجن كبير يتضور أكثر من مليوني إنسان فيه جوعًا. تقارير طبية تؤكد وفاة مئات المدنيين بسبب سوء التغذية، خصوصًا الأطفال وكبار السن، ما يعكس الوجه الآخر للحرب: إبادة بطيئة عبر الحصار. هذا المشهد المأساوي ليس نتيجة عارضة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إخضاع المجتمع الفلسطيني عبر استنزافه صحيا ونفسيا واجتماعيا.
وفي ظل هذا الواقع، تسعى حكومة الاحتلال لترويج رواية “العمليات العسكرية الضرورية”، في حين تؤكد منظمات دولية أن ما يجري هو تجويع متعمد يرقى إلى جريمة حرب مكتملة الأركان. المفارقة أن الاحتلال يرفض إدخال المساعدات الإنسانية إلا بشروطه، ثم يستخدم مشاهد الجوع والحرمان كأداة ابتزاز في المفاوضات الجارية.
مبادرات أمريكية تحت الاختبار
على الصعيد السياسي، كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن الولايات المتحدة نقلت إلى حركة حماس مبادئ مقترح اتفاق شامل، في محاولة لإنقاذ ما تبقى من مسار المفاوضات. هذه المبادئ، التي صيغت كخطوط عريضة وليست كوثيقة رسمية، تهدف إلى وضع إطار لحوار طويل الأمد يشمل وقف إطلاق النار، تبادل الأسرى، وضمان دخول المساعدات بشكل مستدام.
ومن المتوقع أن يزور الوزير الإسرائيلي المقرب من نتنياهو، رون ديرمر، واشنطن خلال الأسبوع الجاري للقاء كبار مسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترامب، في إطار متابعة هذه الجهود. اللافت أن المبادرة جاءت عبر وسيط إسرائيلي سبق أن شارك في مفاوضات سابقة مع حماس، ما يعكس استمرار الرهان على قنوات خلفية بدلًا من التفاوض المباشر.
حماس، من جانبها، أبدت انفتاحًا على أي مقترحات تحقق وقفًا دائمًا لإطلاق النار وانسحابًا شاملًا لقوات الاحتلال من قطاع غزة، مع التأكيد على إدخال المساعدات الإنسانية بشكل غير مشروط. الحركة شددت أيضًا على أن أي اتفاق يجب أن يشمل تبادلًا “حقيقيًا” للأسرى من خلال مفاوضات جدية، وهو ما يعكس إدراكها أن الاحتلال يستخدم الملف الإنساني كأداة مساومة.
جرائم بلا توقف.. ومفاوضات في الظل
المفارقة المؤلمة أن مشاهد القتل والدمار على الأرض تسير بالتوازي مع نقاشات دبلوماسية في الكواليس. ففي حين تحاول واشنطن إظهار نفسها كوسيط “مسؤول”، فإنها تغض الطرف عن الجرائم اليومية التي يرتكبها الاحتلال، بل وتستمر في تزويده بالسلاح والدعم السياسي.
هذه الازدواجية الأمريكية تعكس معادلة مشوهة: مفاوضات على الورق، وإبادة على الأرض. والنتيجة أن الفلسطينيين يجدون أنفسهم عالقين بين مطرقة القصف وسندان المبادرات غير الملزمة. ففي الوقت الذي يطالب فيه العالم بوقف إطلاق النار، يوسع الاحتلال عملياته ويكثف مجازره، في رسالة واضحة مفادها أن “الميدان هو من يقرر”.
خاتمة: طريق مسدود بين النار والدبلوماسية
يمكن القول إن غزة تقف اليوم عند مفترق خطير: عمليات عسكرية متواصلة تشبه حرب إبادة، وحصار خانق يحول حياة المدنيين إلى كابوس، مقابل محاولات دبلوماسية أمريكية لم ترق بعد إلى مستوى الحل. وبينما يراهن الاحتلال على أن استمرار التوغل والقتل سيكسر إرادة المقاومة، يظل الواقع يقول إن هذه السياسات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الصمود الفلسطيني وإلى تعزيز القناعة بأن المجتمع الدولي، وفي مقدمته واشنطن، يساهم في إطالة أمد المأساة بدلًا من إنهائها.
اقرأ أيضًا : أسطول “عمر المختار”.. خطوة ليبية جريئة نحو كسر الحصار عن غزة