شهدت مدينة كيلسي البولندية حدثًا استثنائيًا خلال معرض الصناعات الدفاعية الدولي (MSPO)، حين أقدمت الشرطة البولندية على استجواب ثلاثة من ممثلي أبرز شركات السلاح الإسرائيلية: إلبيت سيستمز (Elbit Systems)، ورافائيل (Rafael)، والصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، وذلك عقب تقديم شكوى قانونية ضدهم من مبادرة العدالة البولندية الفلسطينية (KAKTUS).
هذه الخطوة لم تكن مجرد حادث عابر داخل معرض تجاري، بل حملت دلالات سياسية وقانونية واسعة، أعادت إلى الواجهة النقاش حول مساءلة شركات السلاح الإسرائيلية عن دورها في الحرب على غزة.

خلفية الشكوى: “مجربة في المعارك” أم مجربة على المدنيين؟
بحسب بيان مبادرة “KAKTUS”، فإن الشكوى المقدمة في الثالث من الشهر الجاري تتهم الشركات الإسرائيلية بالتربح من الإبادة الجماعية في غزة، عبر تسويق منتجاتها العسكرية على أنها “مجرّبة في المعارك”. لكن المبادرة اعتبرت أن الحقيقة الصادمة هي أن هذه الأسلحة اختُبرت عمليًا على أجساد المدنيين الفلسطينيين، بما في ذلك الأطفال والنساء، خلال القصف المستمر والحصار الخانق المفروض منذ سنوات.
ويؤكد نص الشكوى أن الترويج للأسلحة باعتبارها أثبتت فعاليتها في غزة لا يقتصر على تضليل المشترين، بل يُعد أيضًا تغطية على جرائم حرب، بل وجرائم ضد الإنسانية. فعملية التسويق هذه – وفق المنظمات الحقوقية – تجعل من دماء الفلسطينيين وسيلة للإعلان التجاري، وتحوّل قطاع غزة إلى حقل تجارب مفتوح يرفع من قيمة الأسهم في أسواق السلاح.
تداعيات في المعرض: استجواب علني داخل قاعات السلاح
الشرطة البولندية لم تكتف باستلام الشكوى، بل احتجزت ممثلي الشركات الثلاث داخل مركز المعرض واستجوبتهم بشكل رسمي حول مضمونها. خطوة اعتبرها مراقبون غير مسبوقة في مثل هذه المعارض، التي عادة ما تكون محمية من أي مساءلة قانونية بحكم الطابع التجاري والدبلوماسي الذي يحيط بها.
هذا الاستجواب ألقى بظلاله الثقيلة على أجواء المعرض، حيث باتت المشاركة الإسرائيلية موضع جدل واسع، وسط مخاوف من أن تتحول المشاركة المقبلة في مثل هذه الفعاليات إلى أزمة دبلوماسية وقانونية تلاحق الصناعات العسكرية الإسرائيلية في أوروبا.
تصاعد الحراك المدني: أوروبا كساحة مواجهة قانونية
الخطوة في بولندا جاءت امتدادًا لسلسلة تحركات حقوقية شهدتها أوروبا في الشهور الأخيرة، حيث أطلقت منظمات مدنية حملات تطالب بحظر تصدير أو استيراد الأسلحة من وإلى الشركات الإسرائيلية. ويرى النشطاء أن شعار “Battle-tested” (مجرّبة في المعارك) لم يعد مجرد عبارة تسويقية، بل إقرار ضمني بأن الفلسطينيين كانوا ضحايا هذه التجارب.
وقد سبق أن واجهت شركات مثل “إلبيت سيستمز” و”رافائيل” انتقادات مشابهة في بريطانيا وإسبانيا وأمريكا اللاتينية، حيث ضغطت منظمات طلابية ونقابية لسحب الاستثمارات من هذه الشركات ومقاطعتها، باعتبارها شريكة مباشرة في جرائم الحرب في غزة.
الأبعاد القانونية: من السوق إلى المحاكم الدولية
التحرك القانوني في بولندا يفتح الباب أمام سابقة قضائية مهمة. فإذا ما تم قبول الشكوى ومتابعتها قضائيًا، فقد يشكل ذلك أساسًا لتوسيع الملاحقات إلى محاكم أوروبية أخرى. فالاتهام هنا لا يتوقف عند الجانب التجاري، بل يصل إلى المسؤولية الجنائية للشركات كشريك اقتصادي وأخلاقي في عمليات الإبادة الجماعية.
وبالنظر إلى أن العديد من الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية جنيف ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تجرّم استخدام المدنيين كحقول تجارب أو تعريضهم لأسلحة فتاكة، فإن الشركات الإسرائيلية قد تجد نفسها في مواجهة دعاوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، حتى لو جرت المحاكمات في أوروبا بعيدًا عن الشرق الأوسط.
تداعيات محتملة على الصناعات الإسرائيلية
الاستجواب العلني في كيلسي شكّل رسالة قوية للصناعات العسكرية الإسرائيلية، التي لطالما اعتمدت على إبراز تجربتها في الحروب كميزة تنافسية في السوق العالمية. فإذا ما تحولت هذه “الميزة” إلى إدانة قانونية وأخلاقية، فإن ذلك قد يهدد مكانة إسرائيل في سوق السلاح الدولية، ويعزز الاتجاهات الداعية إلى مقاطعة منتجاتها ووقف صفقاتها.
كما أن الشركات الأوروبية، تحت ضغط الرأي العام، قد تجد نفسها مضطرة للابتعاد عن التعاون مع إسرائيل، خشية أن تُتهم بالتورط غير المباشر في جرائم حرب.
ملاحقة جرائم الاحتلال: من الأفراد إلى الشركات
تقليديًا، كان التركيز الحقوقي منصبًا على ملاحقة قادة الاحتلال السياسيين والعسكريين أمام المحاكم الدولية. لكن الجديد هنا هو تحويل الأنظار نحو الشركات باعتبارها المستفيد الاقتصادي من استمرار الاحتلال والعدوان. فالمسألة لم تعد محصورة في مسؤولية الدولة، بل تمتد إلى البنية الاقتصادية التي تغذي الحروب وتحوّل المأساة الإنسانية إلى أرباح مالية.
هذه النقلة النوعية تضع الصناعات الدفاعية الإسرائيلية أمام اختبار غير مسبوق: فإما أن تواصل إنكارها وترويجها تحت شعار “الابتكار العسكري”، أو تواجه موجة متنامية من الملاحقات القانونية التي قد تعيد صياغة مستقبلها في الأسواق العالمية.
خاتمة: بداية مسار جديد للمساءلة
ما جرى في معرض كيلسي البولندي لم يكن مجرد حادث قانوني عابر، بل إشارة إلى أن دماء غزة بدأت تتحول إلى ملفات في المحاكم الأوروبية، وأن الشركات الإسرائيلية لم تعد في مأمن من المساءلة الدولية.
قد لا تسفر هذه التحقيقات في المدى القريب عن إدانة قضائية مباشرة، لكن مجرد استجواب ممثلين عن “إلبيت” و”رافائيل” و”IAI” في قلب أوروبا، يعكس تغيرًا مهمًا في المزاج الدولي، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من ملاحقة جرائم الاحتلال ليس فقط على مستوى الأفراد، بل أيضًا على مستوى الشركات التي تربح من استمرار الحرب والإبادة الجماعية.
بهذا، تتحول قاعات المعارض الدفاعية من ساحات للتسويق والترويج إلى ساحات للمساءلة وكشف التواطؤ، وقد تكون هذه البداية لموجة أوسع من المحاكمات التي تطال الاحتلال وأدواته الاقتصادية في آن واحد.
اقرأ أيضًا : إسبانيا تتحدى الصمت الأوروبي: مواجهة دبلوماسية ضد الاحتلال