في مأساة جديدة تعكس حجم الفوضى وغياب الرقابة في قطاع التعدين الأهلي بالسودان، أعلنت شبكة أطباء السودان، السبت، عن مصرع ستة أشخاص وإصابة تسعة آخرين بجروح متفاوتة، إثر انهيار بئر للتنقيب عن الذهب في منطقة الباوقة بولاية نهر النيل شمالي البلاد.
وأشارت الشبكة في بيانها إلى أن المصابين جرى نقلهم إلى مستشفى عطبرة لتلقي العلاج، فيما أعربت عن بالغ قلقها من استمرار “نزيف الأرواح” نتيجة الانهيارات المتكررة لآبار ومناجم الذهب.

فوضى التعدين الأهلي وغياب معايير السلامة
البيان شدد على أن ما حدث ليس حادثاً عرضياً معزولاً، بل نتيجة مباشرة لـ غياب الرقابة وانعدام معايير السلامة المهنية في أنشطة التعدين التقليدي، التي تُجرى عادة في ظروف بدائية لا تراعي أدنى اشتراطات الحماية. وأوضح أن الحكومة السودانية لم تتخذ حتى الآن إجراءات رادعة توقف هذا النزيف المتكرر، رغم أن التحذيرات والنداءات تتكرر مع كل كارثة مشابهة.
ويستوعب قطاع التعدين الأهلي أكثر من مليوني شخص موزعين في مختلف ولايات السودان، ويشكل نحو 80% من إجمالي إنتاج الذهب في البلاد. غير أن طبيعة العمل فيه، القائمة على الحفر اليدوي والاعتماد على وسائل بدائية، تجعل من الحوادث المميتة مشهداً مألوفاً. ففي 29 حزيران/ يونيو الماضي، انهار منجم آخر في منطقة “هويد” الواقعة بين ولايتي نهر النيل والبحر الأحمر، ما أسفر عن مصرع 11 شخصاً وإصابة 7 آخرين.
الذهب.. ثروة تتحول إلى نقمة
منذ انفصال جنوب السودان في تموز/ يوليو 2011، وخسارة الخرطوم ثلاثة أرباع عائداتها النفطية، أصبح الذهب المورد الرئيسي للنقد الأجنبي، إذ يمثل أكثر من 80% من احتياطيات البلاد من العملات الصعبة. لكن هذه الثروة التي كان يُعوّل عليها لإنقاذ الاقتصاد، تحولت إلى لعنة تلاحق السودانيين، إذ غذّت الصراعات الداخلية وشجّعت على الفوضى في التعدين الأهلي، ما جعل الأرواح تُزهق بلا مقابل.
السلطات السودانية تتبنى سياسة مزدوجة تجاه التعدين الأهلي؛ فهي لا تمنعه رسمياً لما يوفره من فرص عمل لملايين العاطلين، لكنها في المقابل تفشل في تنظيمه وتأمينه، تاركةً العاملين في مواجهة موتٍ محتوم داخل الآبار العشوائية.
الدور الإماراتي الخبيث.. الذهب مقابل الدم
اللافت أن هذه المآسي تأتي في وقت يتعاظم فيه الدور الإماراتي المثير للجدل في قطاع الذهب السوداني. فمنذ سنوات، تحولت أبوظبي إلى المستورد الأول للذهب السوداني، مستغلة حالة الفوضى وانهيار مؤسسات الدولة لجعل السودان ساحة مفتوحة أمام شبكاتها الاقتصادية.
تقارير عديدة أكدت أن الإمارات لا تكتفي بشراء الذهب، بل تغذي النزاعات وتدعم أطرافاً مسلحة تسيطر على مناطق التعدين، ما يضمن استمرار تدفق الذهب الخام إليها بأسعار زهيدة. وبذلك، يتهمها ناشطون وخبراء اقتصاديون بأنها تشارك بشكل مباشر في تدمير البنية التحتية السودانية، عبر تحويل الذهب إلى وسيلة لتمويل الحروب وإطالة أمد الأزمات، بينما يحصد المواطن السوداني الموت والانهيارات والبطالة.
انهيار البنية التحتية وتداعيات إنسانية
انعكاسات هذه السياسات لا تقف عند حدود التعدين وحده، بل تمتد إلى صورة أشمل من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي. فغياب الاستثمار الحقيقي في البنية التحتية، وتوجيه الموارد نحو مصالح خارجية، جعل من مناطق التعدين بيئة فقيرة معدمة، تفتقر إلى المستشفيات المجهزة وطرق الإنقاذ ووسائل الحماية. والنتيجة أن أي انهيار، مهما كان صغيراً، يتحول إلى كارثة إنسانية تسفر عن عشرات القتلى والجرحى.
شبكة أطباء السودان طالبت الحكومة السودانية بإجراءات عاجلة، تشمل إيقاف العمل في الآبار غير المؤمنة، توفير بدائل آمنة للعمال، ومحاسبة المتسببين في تعريض حياة المواطنين للخطر. غير أن غياب الإرادة السياسية، والتشابك بين المصالح الاقتصادية لأمراء الحرب والداعمين الإقليميين وعلى رأسهم الإمارات، يطرح علامات استفهام حول إمكانية التغيير.
كارثة متكررة بلا حلول
المشهد يتكرر: انهيارات متتالية، أرقام جديدة من الضحايا، بيانات شجب من منظمات مدنية، وصمت حكومي متواطئ. وفي كل مرة، يتبدد الأمل في إصلاح حقيقي يعيد تنظيم قطاع التعدين. وإذا كانت الكارثة الأخيرة قد حصدت 6 أرواح وأصابت 9 آخرين، فإنها ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة دامية، مرشحة للاستمرار ما لم تتغير معادلة الذهب السوداني، وما لم يُكسر النفوذ الإماراتي الذي يحوّل هذه الثروة الوطنية إلى أداة للنهب والاستغلال.
خاتمة: ذهب السودان بين مطرقة الفوضى وسندان الأطماع
حادثة انهيار بئر الباوقة ليست مجرد مأساة محلية، بل مرآة تعكس معضلة السودان بأكمله: بلد غني بالموارد، لكنه أسير الفوضى الداخلية والتدخلات الخارجية. ففي الوقت الذي يموت فيه العمال داخل آبار بدائية، تُهرّب أطنان الذهب إلى الخارج، ويستثمر العائد في صفقات وحروب تعود بالويل على الشعب السوداني.
إن استمرار النزيف في قطاع التعدين الأهلي هو جريمة مركبة: تتحملها حكومة عاجزة عن الرقابة، وقوى إقليمية، على رأسها الإمارات، تسعى لتجريد السودان من ثرواته، وتترك مواطنيه بين خيارين لا ثالث لهما: الموت في أعماق الأرض أو الفقر فوقها.
اقرأ أيضًا : الشاباك يدق ناقوس الخطر: انهيار وشيك للسلطة الفلسطينية يهدد أمن الضفة واستقرار الاحتلال