في تصعيد جديد لحملة الدعم العسكري التي تخوضها جماعة “أنصار الله” اليمنية ضد الاحتلال الإسرائيلي، أعلنت الجماعة فجر اليوم تنفيذ عملية هجومية نوعية استهدفت مطار “رامون” في مدينة إيلات (أم الرشراش) جنوب فلسطين المحتلة، إضافةً إلى هدف عسكري في منطقة النقب، بأربع طائرات مسيّرة.
وتزامن ذلك مع دوي صفارات الإنذار في مدينة إيلات ومحيط مطار رامون، وسط حالة ذعر واسعة بين المستوطنين الإسرائيليين، في مشهد يسلّط الضوء مجددًا على هشاشة منظومة الدفاع الإسرائيلية في وجه الطائرات المسيّرة القادمة من مسافات بعيدة.

 

تفاصيل العملية وتصاعد وتيرة هجمات أنصار الله

بحسب البيان الصادر عن الجماعة، فقد نُفّذت العملية بواسطة “سلاح الجو المسير في القوات المسلحة اليمنية” حيث انطلقت ثلاث طائرات مسيّرة نحو مطار رامون في أقصى جنوب فلسطين المحتلة، بينما اتجهت الطائرة الرابعة نحو هدف عسكري في عمق صحراء النقب، وقد “حققت العملية أهدافها بنجاح بفضل الله” وفق تعبير البيان.

وسائل إعلام عبرية أكدت أن صفارات الإنذار دوت بشكل متكرر في محيط المطار وفي مدينة إيلات الساحلية، ما دفع السلطات الإسرائيلية إلى تعليق الحركة الجوية مؤقتًا في مطار رامون وتحويل بعض الرحلات إلى مطار بن غوريون، وسط مخاوف من اختراق أمني كبير.
ويأتي هذا الهجوم بعد أيام قليلة فقط من إعلان الجماعة تنفيذ ضربات صاروخية باليستية استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية في النقب باستخدام صاروخ “فلسطين-2” الفرط صوتي، وهو سلاح أعلنت الجماعة تطويره محليًا وتزعم أنه تجاوز أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية دون أن يُكتشف.

تواصل هذه العمليات يعكس تصميم الجماعة على إبقاء جبهة البحر الأحمر مفتوحة في وجه الاحتلال، وربط ساحة غزة بساحات دعم متعددة إقليميًا، من اليمن والعراق ولبنان وحتى سوريا، في استراتيجية تهدف إلى إنهاك إسرائيل وتشتيت قدراتها الدفاعية على جبهات واسعة ومتباعدة.

انعكاسات استراتيجية: هشاشة الدفاعات الإسرائيلية وارتباك المؤسسة الأمنية

الهجمات الأخيرة على مطار رامون — الواقع على بعد أكثر من 1600 كيلومتر من اليمن — تُعد ضربة رمزية ومعنوية قاسية للمنظومة الأمنية الإسرائيلية. فالمطار يُعد شريانًا حيويًا للسياحة الإسرائيلية ووجهة رئيسية لنقل المستوطنين من وإلى جنوب فلسطين المحتلة، وضربه يرسل رسالة واضحة عن مدى اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية.

هذا الخرق يكشف عدة ثغرات خطيرة:

  1. قصور منظومات الإنذار المبكر والرادارات بعيدة المدى، حيث استطاعت طائرات مسيّرة بدائية نسبيًا اختراق عمق الأجواء الإسرائيلية والوصول إلى أهداف حساسة دون اعتراض فوري.

  2. استنزاف القبة الحديدية التي وُجدت بالأساس للتعامل مع صواريخ قصيرة المدى من غزة ولبنان، لكنها تواجه صعوبة في التعامل مع المسيّرات الصغيرة منخفضة الارتفاع.

  3. إرباك في الاستجابة الأمنية، إذ تستغرق أجهزة الجيش والاستخبارات ساعات لتحديد مسارات الطائرات ونقاط انطلاقها بدقة، وهو ما يزيد من هشاشة “الردع الإسرائيلي” الذي طالما تباهت به تل أبيب.

إضافة إلى ذلك، فإن تركيز “أنصار الله” على أهداف جنوبية بعيدة عن جبهات غزة يُربك حسابات الجيش الإسرائيلي ويجبره على توزيع قدراته الدفاعية على نطاق جغرافي واسع، وهو ما يقلل فعالية هذه القدرات ويُسرّع استنزافها.

رسائل سياسية: اليمن في محور مقاومة إقليمي ممتد

لا تقتصر العملية على بعدها العسكري فحسب، بل تحمل أبعادًا سياسية واضحة؛ فالجماعة اليمنية أعلنت مرارًا أن عملياتها تستهدف دعم الشعب الفلسطيني والرد على “حرب الإبادة” في قطاع غزة، كما أدانت قبل أيام الهجوم الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة الذي استهدف قيادات من حركة “حماس”، معتبرةً أن ما حصل “يدق ناقوس الخطر لجميع الدول العربية والإسلامية”.

تصريحات مهدي المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى للجماعة، كانت لافتة في حدّتها، إذ حمّل الولايات المتحدة مسؤولية منح إسرائيل الضوء الأخضر لشن العدوان على قطر، محذرًا من أن “ما حصل في الدوحة سيحصل مثله وأكثر في جميع دول المنطقة إن لم تتحد لمواجهة الخطر الصهيوني”.
هذه اللغة التصعيدية تعكس تحولًا في خطاب “أنصار الله” من مجرد تضامن لفظي إلى انخراط مباشر في ساحة المواجهة مع إسرائيل، لتصبح الجماعة رسميًا جزءًا من محور إقليمي معادٍ للاحتلال، يضم إيران وحزب الله وفصائل عراقية وسورية.

خاتمة: كيان الاحتلال أمام معادلة استنزاف جديدة

تكشف هذه الضربات عن تحول خطير في طبيعة التهديدات التي تواجهها إسرائيل، إذ لم تعد مقتصرة على جبهاتها التقليدية في غزة ولبنان، بل باتت تتساقط عليها الطائرات المسيّرة من مسافات بعيدة، مخترقة عمقها الجوي في رسائل رمزية مؤلمة.
ورغم محاولة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التخفيف من شأن هذه الهجمات، فإنها تُشكّل إحراجًا استراتيجيًا كبيرًا لجيش الاحتلال، وتُظهر هشاشة تفوقه التكنولوجي أمام أدوات حرب غير متماثلة ومنخفضة التكلفة.

في ظل استمرار حرب الإبادة في غزة، يبدو أن إسرائيل تدخل تدريجيًا في معادلة استنزاف إقليمي مفتوح، حيث تتلقى الضربات من أطراف متعددة دون قدرة حقيقية على الردع أو الحسم، وهو ما يضعها أمام مأزق وجودي متجدد يهدد صورتها كقوة لا تُقهر، ويكشف عريها الأمني أمام خصومها في المنطقة.

اقرأ أيضًا : نواب في الكونغرس ونجوم بهوليوود يواجهون آلة الحرب: دعوات لحظر القنابل عن “إسرائيل” وسط خفوت روايتها